تنطلق رؤية وزارة التعليم من وثيقة سياسة التعليم، متوائمة مع المملكة العربية السعودية، وهادفة إلى تحقيق تعليم شامل للجميع يعزز القيم، ويضع المملكة في صدارة المنافسة العالمية، ويمكّن الأفراد والمجتمعات من اكتساب مهارات عالية الجودة.
فالقيم حصن منيع، وسور رفيع يحمي التعليم، ويصد أدوات الهدم، ويعزز أعمدة البناء لمواجهة تحديات العصر بعمق القيم، لا بسطحية التفكير؛ حفاظًا على الهوية والتوازن، من خلال ترسيخ الرقابة الذاتية.
ويرى ابن خلدون أن التعليم ليس حفظًا للمعلومات فحسب، بل اكتسابٌ لملكة راسخة في الفهم والتطبيق، منتقدًا حشو الأذهان والتلقين الجاف الذي يفسد الفهم ويضعف القدرة على التفكير.
وسوسيولوجيًا، تتعدد النظريات التي تفسر هذا البعد؛ فالنظرية الوظيفية لدى إميل دوركهايم ترى أن التعليم يؤدي وظيفة أساسية في نقل القيم المشتركة، مثل الاحترام والمسؤولية والتضامن، بما يحقق التماسك الاجتماعي والاندماج، وأن المدرسة تمثل «مجتمعًا مصغرًا» يهيئ الأفراد للحياة الاجتماعية.
وفي خضم متغيرات العصر، وتسارع وتيرته، وتكالب معطياته، تبرز تحديات جديدة أمام التعليم، من أبرزها استلاب القيم؛ وهو انتقال الإنسان من تبني قيم تنبع من هويته وأخلاقه إلى التخلي عنها، كليًا أو جزئيًا، لصالح قيم مادية أو استهلاكية فرضتها ظروف خارجية.
وقد أكد عدد من المفكرين أن أزمة التعليم المعاصرة ليست أزمة مناهج أو تقنيات، بقدر ما هي أزمة روح ومعنى. ومع ذلك، يرى غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل، من منظور فلسفي، أن الاغتراب أو الاستلاب يمثل مرحلة ضرورية في تطور الروح، إذ تخرج الذات عن نفسها لتعود إليها أكثر نضجًا.
ولعل هذا الاستلاب جاء نتيجة ظروف محيطة، ورغبة في مسايرة العصر، والابتعاد عن الأساليب التقليدية القائمة على الحفظ والتلقين. كما أسهمت هيمنة العولمة ثقافيًا وحضاريًا، وسيادة النظرة الاقتصادية للتعليم، وضعف قدرة بعض المؤسسات التعليمية على التكيف، إلى جانب المنافسات العالمية، ووهن إعداد المتعلم والمعلم، وضعف الشراكة مع الأسرة، في تعميق هذا الاستلاب.
وفي المقابل، سعت المؤسسات التعليمية في المملكة العربية السعودية إلى حماية الناشئة وصون القيم من الاستلاب عبر العديد من البرامج، من أبرزها: لائحة السلوك، والمناهج الدراسية، وبرامج الوعي الفكري، ومبادرات تنمية القدرات البشرية التي تعزز قيم الوسطية والتسامح والإتقان، إضافة إلى تحديث لائحة السلوك، والرحلات الثقافية، والشراكة مع الأسرة، ومبادرات الهوية الرقمية التي تعزز التواصل والاعتزاز بالهوية السعودية.
وتتجلى مظاهر هذا الاستلاب في البيئة التعليمية لدى الطالب والمعلم على حد سواء؛ إذ أصبحت الشهادة، في كثير من الأحيان، معيار النجاح والتميز، دون الالتفات إلى ما يحمله صاحبها من قيم، مثل حب المعرفة، والأمانة العلمية، والسلوك القويم. كما تراجعت، في بعض البيئات، مكانة المعلم وعلاقته التربوية بالمتعلم.
ومن أبرز صور الاستلاب كذلك الاستلاب الرقمي والاستهلاكي؛ إذ أدى الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى نشوء جيل يفضل السرعة والسطحية على حساب العمق، والصبر، والتفكير النقدي.
كما أسهمت المناهج الدراسية، ومضامين بعض المواد، والازدواجية اللغوية، وبعض طرائق التدريس القائمة على الحفظ والتلقين، بدرجات متفاوتة، في تعميق هذا الاستلاب القيمي.
ويقود هذا الاستلاب إلى ازدواجية الهوية، وربما فقدانها وسط الصراع بين المعرفة والقيمة، فتُسلب الإرادة، ويصاب الوعي بالشلل، ويعجز الفرد عن التمييز، مما قد يطمس الهوية الاجتماعية.
ومن يتأمل الواقع، ويتابع حركة التعليم، يلحظ نماذج متعددة لهذا الاستلاب، سواء على مستوى الفرد أو المؤسسة التعليمية، ومن ذلك:
* التنمر الفردي والجماعي.
* الغش بمختلف أشكاله، في الاختبارات أو تداول المعلومات.
* تغليب الاستثمار المادي والاستهلاك على المعرفة.
* تراجع التفاعل الإنساني والسلوك الجمعي لصالح الفردانية المرتبطة بالتقنية.
* الاهتمام بالشكل والأرقام بوصفها مؤشرًا وحيدًا للنجاح.
* ضعف حضور القدوة التربوية.
* اتساع الفجوة بين المتعلم والواقع نتيجة التدفق الهائل للمعلومات وضغوط التقنية.
ولم يتوقف الفكر التربوي عند تشخيص الاستلاب؛ إذ يقدم باولو فريري، في كتابه «تربية المقهورين»، بديلًا يقوم على الانتقال من التعليم البنكي إلى التعليم الحواري القائم على طرح المشكلات، حيث يصبح التعليم ممارسة للحرية، ويستعيد المتعلم وعيه النقدي، ويربط المعرفة بواقعه وقيمه، فيتحول من ذات مستلبة إلى ذات فاعلة قادرة على التغيير.
أما الفلسفة التربوية الإسلامية، فتقدم رؤية متكاملة ترفض الفصل بين العلم والقيم، وتؤكد أن الحفاظ على القيم يمثل أساسًا لبناء الإنسان.
والقيم نوعان: ثابتة ومتغيرة. فالثابتة هي القيم الدينية التي لا تقبل الجدل، ويجب التمسك بها. أما المتغيرة فهي القيم المرنة التي تواكب عصر العولمة والتقنية، دون أن تمس الثوابت أو تفرط في الهوية.
إن الجهود تتواصل للموازنة بين الواقع والمأمول، حتى يحقق التعليم أهدافه دون تفريط أو استلاب، وهنا يكمن التحدي الحقيقي.
وأخيرًا، فإن حفظ القيم من الاستلاب ليس شعارًا، بل مشروع وطني متكامل يبدأ بالطفل في الروضة، ويستمر معه حتى يصبح مواطنًا فاعلًا. ومع استمرار التحديات الرقمية، يبقى الاستثمار في الوعي الفكري، وتعزيز الشراكة بين الأسرة والمدرسة، الضمانة الأقوى لبناء جيل يعتز بهويته، ويسهم في بناء وطنه.





