ليس أثقل على الأرواح من زمنٍ يُطالَب فيه الناس بالتشابه حتى فقدنا هويتنا وكأن التوافق التام هو الشرط الوحيد للقبول سواءً في محيطك الذي قد تدان على اختلافك مثل المفردة الشاذة التي نتجاهلها و متأكدة تماماً أن اكثرنا في ضمن هذه الجملة وكأن العقول لم تُخلق إلا لتردد رأي واحد اصبحنا متبوعين نردد فقط . فما إن يتباين رأيان ! حتى تُشهر سيوف الأحكام و تتحدق الأعين وتُستبدل لغة الحجة بلغة الإقصاء وقد يغدو الخلاف خصومة، لا فرصةً لاتساع الأفق وتكوين الذات المختلفة المفترض أنها مختلفة لكن سرعان ماينجرف احدهم حتى يصبح نسخة غيره
منذ أن بدأ الإنسان يفكر ويطرح الأسئلة كان اختلاف الآراء سببًا في ولادة العلوم وتطور الأفكار واتساع المعرفة حتى ان لكل منا كان له وجهه مختلفة وتميز الأنسان باختلافه ولم يكن يومًا سببًا في تدميرها
فما ازدهرت حضارة إلا حين أفسحت للعقول أن تتجاور وإن لم تتطابق أفكارها وما أُطفئت شعلة فكر إلا حين ظن قومٌ أن الحقيقة حكرٌ على ألسنتهم، وأن ما عداها ضلالٌ لا يستحق الإصغاء ! إما توافقنا الحقيقة متبوع ولا تابع مختلف لن يصغى اليك
إن الرأي لا يكتسب قيمته من كثرة مؤيديه كما أن الفكرة لا تبطل لمجرد أنها أقلية فكم من حقيقةٍ وُلدت غريبة ثم غدت بعد حينٍ من المسلمات التي اخذنا بها حتى يومنا وكم من رأيٍ صفق له الجميع ثم أسقطه الزمن ولعل أعظم فضائل العقل أن يظل متسعًا لاحتمال أن يكون قد أغفل وجهًا آخر للحقيقة.
غير أن ضجيج العصر أفسد على الناس فن الإصغاء؛ فأصبحت الحوارات لدينا من ينتصر أولاً لا ميادين بحث واحترام وجهات النظر واختلافها نحن نقول دائما اختلافنا لا يفسد للود قضية ، أصبحت العقول تصمت لا لتُنير وهكذا خسر الحوار جوهره وصارت الكلمات تتصادم قبل أن تتلاقى لتصل الى فكرة جوهرية عظيمة
وقد قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي:
رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأٌ يحتمل الصواب
وما هذه الكلمات إلا درسٌ في تواضع العقل فتواضع يا عقل وتجمّل إذ لا يُفسد الفكرَ شيءٌ كما يفسده وهمُ العصمة و أن الرأي واحداً ولا يُثمر الحوار إلا حين يدرك الإنسان أن الحقيقة أوسع من أن يحيط بها رأيٌ و فكر واحد
وللفيلسوف برتراند راسل عبارة تكاد تصف زماننا وتصف الشخص المختلف تماماً عن ماحوله من النسخ :
«إن المشكلة في العالم أن الحمقى واثقون بينما العقلاء تملؤهم الشكوك
فالثقة العمياء بالرأي كثيرًا ما تُنبت التعصب وعقلاً يكاد يساوي حبة رمل أما التواضع الفكري فهو الذي يترك للنور منفذًا منفتحاً على كل الاختلافات وللحقيقة مجالًا أن تُرى من أكثر من زاوية
إن الحضارات لا تنهار حين يختلف أبناؤها بل حين يعجزون عن الاختلاف بأدب فالاختلاف ليس شقاقًا بل تنوعٌ في منافذ النظر فإن الاختلاف الواعي هو الذي يوقظ العقول و تنيرها ويمنحها القدرة على مراجعة نفسها وتجديد فكر يود المرء ان يتبناه إذ لا يخشى الحقيقة الا من يظن أن رأيه هو الصواب المطلق و يخشى سماع الآراء الأخرى؛ لأنها قد تهز يقينه أو تكشف نقصًا في فهمه
ولعل أسمى مراتب الرقي أن نختلف دون أن نتعادى وأن نناقش دون أن نُهين، وأن نغادر الحوار وقد ازددنا فهمًا لا خصومة؛ فالعقول العظيمة لا تبحث عن الانتصار وإنما تبحث عن بصيرة
هذه المقالة كُتبت لأن من يقرأها سيشعر أنه شخص مؤمن تمامًا أنه مختلف
