كتاب الرأي

في اليوم الوطني.. لنهدِ وطننا حيًا أجمل

مع اقتراب اليوم الوطني، نستعد للفرح بوطننا، ورفع رايته، واستذكار مسيرته ومنجزاته، والتعبير عن مشاعر الحب والانتماء له. لكنني أرى أن هناك صورة أخرى جميلة للاحتفال تستحق أن نغرسها في أبنائنا، وهي أن نقدم للوطن عملًا نافعًا يبقى أثره حتى بعد انتهاء المناسبة.

ومن هنا أقترح إطلاق مبادرة مجتمعية بعنوان «حيّنا مسؤوليتنا»، تبدأ مع مناسبة اليوم الوطني، لكنها لا تنتهي بانتهائه، بل تستمر طوال العام بمشاركة أهل الحي، وخاصة الشباب وطلاب المدارس.

الفكرة بسيطة: أن يخصص أبناء كل حي وقتًا لخدمة المكان الذي يعيشون فيه، بالتنسيق مع الجهات المختصة. فقد يشارك الطلاب في تنظيف محيط مدارسهم والعناية بمرافقها، وتنظيف محيط المساجد والشوارع والحدائق، والمساهمة في التشجير وإزالة المخلفات، ونشر رسائل توعوية تحث على النظافة والمحافظة على الممتلكات العامة.

وبالطبع تكون مشاركة الطلاب في الأعمال المناسبة لأعمارهم والآمنة لهم، وتحت إشراف المدارس والجهات المسؤولة.

فالطالب الذي يشارك في تنظيف مدرسته سيكون أكثر حرصًا على نظافتها، والشاب الذي يزرع شجرة في حيه سيشعر أن المحافظة عليها مسؤوليته، ومن يشارك في تحسين حديقة أو شارع سيدرك أن الممتلكات العامة ليست مسؤولية الجهات الحكومية وحدها، وإنما المحافظة عليها مسؤولية يشترك فيها الجميع.

ويمكن أن تتوسع المبادرة لتشمل زيارة كبار السن في الحي، وتكريم عمال النظافة والحراس والعاملين في خدمة المجتمع، ومساعدة المحتاجين من خلال الجهات المختصة، والمشاركة في حملات التبرع بالدم لمن تنطبق عليهم الشروط، وتشجيع إعادة التدوير وترشيد استهلاك الماء والكهرباء، والتوعية بالسلامة المرورية، وإقامة مسابقات بين الطلاب لأفضل فكرة تخدم الحي.

ولماذا لا يكون في كل مدرسة فريق تطوعي لخدمة الحي؟ يشارك فيه الطلاب على مدار العام، وتُسجل لهم ساعاتهم التطوعية وفق الأنظمة المعتمدة، وتُكرَّم المبادرات المتميزة، وتتنافس المدارس والأحياء في تقديم أفكار ومشروعات مجتمعية تخدم السكان وتحسن المكان.

ومن الأفكار أيضًا أن يشارك أصحاب المهن والخبرات من سكان الحي بما يستطيعون؛ فالطبيب يقدم توعية صحية، والمعلم يقدم برنامجًا تعليميًا، والمتخصص يقدم خبرته، والشباب يقدمون وقتهم وجهدهم، ورجال الأعمال يدعمون المبادرات المجتمعية وفق الأنظمة والضوابط. وهكذا يتحول الحي إلى مجتمع صغير يتعاون أفراده لخدمة بعضهم بعضًا وخدمة المكان الذي يعيشون فيه.

ويمكن تحديد يوم دوري كل شهر أو كل ثلاثة أشهر تحت عنوان «يوم خدمة الحي»، فلا تصبح هذه الأعمال مرتبطة باليوم الوطني وحده، وإنما يكون اليوم الوطني نقطة البداية التي ننطلق منها إلى ثقافة مستمرة طوال العام.

نريد أن يتعلم أبناؤنا أن حب الوطن ليس عبارة تُقال فقط، ولا علمًا يُرفع في مناسبة ثم يُطوى، بل هو سلوك يومي يظهر في المحافظة على الممتلكات العامة، ونظافة الشارع، واحترام الأنظمة، ومساعدة الآخرين، والتطوع لخدمة المجتمع.

إن من أجمل ما يمكن أن نقدمه في اليوم الوطني أن نغرس في نفوس أبنائنا معنى المواطنة بالفعل والممارسة، وأن يشعر الشاب والطالب بأن له دورًا في المحافظة على وطنه وخدمة مجتمعه.

فلنحتفل بالوطن، ولنقدم له هدية أيضًا: حيًا أنظف، ومدرسة أجمل، وشارعًا نحافظ عليه، وجيلًا يعرف أن خدمة وطنه تبدأ من المكان الذي يعيش فيه.

د. عبدالرحمن حسن جان

دكتوراه في علم الاجتماع، وباحث في القضايا الأسرية والاجتماعية، مهتم بدراسة التحولات الاجتماعية وتعزيز الوعي الأسري والاستقرار النفسي والاجتماعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى