المقالات

هندسة البلد الآمن

الأمن من تلك الأشياء التي نعرف قيمتها من أثرها، ونرى أثرها أكثر مما نرى كيف صُنعت. يخرج الإنسان من منزله إلى عمله، يرسل أبناءه إلى مدارسهم، يفتح متجره، يسافر بين المدن، ويعود في آخر اليوم. تبدو هذه التفاصيل عادية لأنها تتكرر يوميًا، وخلف اعتيادها منظومة هائلة تعمل: رجال ومؤسسات وتشريعات وتقنيات ومراكز عمليات وتحقيق وقضاء وسجون وتأهيل.

من هذه الفكرة تبدأ سلسلة «هندسة البلد الآمن». أكتبها من تخصصي في الهندسة الصناعية وهندسة النظم، ومن الميدان، بحثًا عن سؤال واحد: كيف يُصنع الأمن كنظام؟

في هندسة النظم تظهر قيمة الأجزاء في العلاقة بينها: مدخلات ← عمليات ← مخرجات ← تغذية راجعة ← تحسين.

بدأت الرحلة من مكان يبدو للوهلة الأولى نهاية المسار. دخلت سجن ذهبان، أحد سجون المباحث العامة التابعة لرئاسة أمن الدولة، وفي ذهني سؤال عن العقوبة، فخرجت بسؤال عن الإنسان: ماذا تعاقب الدولة عندما تسجن إنسانًا؟

الحكم يقيّد حريته مدة قررها القضاء. والإنسان الذي يعبر البوابة يحمل جسدًا يحتاج إلى العلاج، وعقلًا قادرًا على التعلم، وأسرة تنتظر، ومهنة وموهبة وعادات وعلاقات، ومستقبلًا يبدأ بعد انتهاء المحكومية. وبين تنفيذ الحكم والعودة إلى المجتمع مساحة زمنية تستطيع منظومة الإصلاح أن تعيد تشكيلها. ويصبح السؤال الأمني الأبعد أثرًا: بأي صورة سيعود؟

دخلت غرف النزلاء وأماكن تجمعهم، وقاعات الدراسة، والمكتبة والمكتبة الرقمية، والأندية الرياضية، ومعرض الفنون والمسرح، والهندسة الصوتية والإنتاج، ونادي الموسيقى، وجناح النساء، ومرافق الزيارات العائلية، والمساحات المخصصة للقاء الزوجين، والعيادات، وأماكن العمل والأنشطة. وعند جمع هذه المرافق في صورة واحدة ظهر التصميم: كل مرفق يعمل على جانب من الإنسان الذي سيعبر البوابة مرة أخرى.

أكثر ما استوقفني مفهوم إدارة الوقت. العقوبة تُقاس بالزمن؛ سنة، خمس سنوات، عشر سنوات. والمادة التي تُقاس بها العقوبة تصبح أهم مورد للإصلاح. آلاف الساعات تقع بين باب يُغلق وباب يُفتح، وفي ذهبان تتحول إلى برنامج يومي له إيقاع وغاية: تعليم وتدريب وقراءة ورياضة وفن وعمل ومسؤوليات.

الإنسان يتشكل بما يكرره. الموعد يصبح عادة، والمهمة تبني مسؤولية، والمسؤولية تصنع انضباطًا. العقوبة تأخذ من الإنسان زمنًا، والإصلاح يعيد لهذا الزمن قيمته.

والنزيل نفسه شريك في تشغيل يومه. أحدهم يدير البقالة، وآخر يدير القهوة، وثالث ينظم جانبًا من الأنشطة، ورابع يشارك في جدولة المكالمات الأسبوعية لأسر النزلاء. وخلال الجولة سمعت نزيلًا يؤجل اتصاله بذويه إلى أن ينجز مهمته أولًا. في تلك اللحظة انتقل الانضباط من جدول يُتبع إلى قيمة تعمل داخل الإنسان.

ووجدت بين النزلاء الطبيب والمهندس والمتخصص وخريج اللغات وصاحب المهنة. رأيت طبيبًا جراحًا يقف خلف القهوة ويشرح لنا «قهوة طويق» بثقة باريستا أتقن هوايته، وخريج لغات يجلس إلى البيانو يعزف أغنيات إنجليزية بإتقان ويستعرض طبقات صوته. القضية حدث في سيرة الإنسان، والسيرة تحمل علمًا ومهنة وموهبة وعلاقات وقدرات. والإصلاح يقرأ الإنسان كاملًا: ما الذي يحتاج إلى تقويم؟ ما القدرة التي تستحق المحافظة عليها؟ ما المهارة التي يمكن بناؤها؟ وأي مسؤولية يستطيع حملها؟

وفي نادي الموسيقى عزف أمامنا نزلاء بدأ بعضهم تعلم آلته من الصفر داخل السجن. يتعلم كل واحد آلته، ثم تصبح قدرته مرتبطة بمن حوله؛ يسمع الآخر، يعرف توقيت دخوله، يضبط صوته، ويتحمل أثر أدائه على المجموعة. خرجت المقطوعة منسجمة.

امتدت الفكرة إلى المسرح الذي كان يستعد لبرنامج اليوم الوطني، وإلى معرض الفنون والمكتبة والرياضة والهندسة الصوتية والإنتاج. وفي المعرض استوقفني «مركاز جدة»، عمل فني أنجزه النزلاء خلال أربعة عشر يومًا من الفلين المعاد تدويره، واستعادوا فيه الرواشين وهوية جدة العمرانية بتفاصيل دقيقة. وكان النزيل الذي يقدمه يستحضر في شرحه ما وصل إليه من توجيه لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حول المحافظة على هوية جدة في مشروعاتها. اختار أن يشرح الهوية قبل أن يشرح الصنعة؛ مادة مستهلكة أعيد تشكيلها، ورواشين أعادت ذاكرة المدينة إلى العمل الفني، ونزيل يعرف لماذا صنع ما صنع. وقد وثقت المصادر الرسمية عناية سمو ولي العهد بجدة التاريخية والمحافظة على إرثها العمراني، فيما تبقى رواية التوجيه بصيغتها التي سمعتها من النزيل جزءًا من المشهد الميداني كما قُدمت لنا.

وبين هذه المشاهد سمعت نزيلًا آخر يتحدث عن رؤية المملكة ويقول: «وطن طموح». وصول لغة الرؤية إلى نزيل يشرح تجربته بنفسه يكشف أن علاقته بوطنه حافظت على حضورها خلال سنوات المحكومية.

وتأخذ الثقة صورتها المؤسسية أيضًا. بحسب ما عُرض لنا خلال الزيارة، زار ذهبان وبرامجه عبر السنوات وزراء وكبار مسؤولين وسفراء وممثلو جهات حقوقية، فيما يتولى النزلاء أنفسهم تقديم جانب من البرامج أمامهم. يقف النزيل أمام الوزير أو السفير، يشرح عمله وما تعلمه وما أصبح مسؤولًا عنه. الثقة التي سيحتاجها خارج السجن يمارسها داخله.

ودققت في لغة النزلاء. السعودي وغيره يتحدثان بروح متقاربة عن تجربتهما. وسمعت نزيلًا عرف تجربة سجن في دولة مجاورة يُسأل عن الفرق، فوصف مسافة واسعة بين التجربتين لصالح ما يراه في المملكة.

وتكشف التفاصيل اليومية فلسفة المنظومة. للنزيل حساب مالي تودع أسرته فيه، ويستخدم رصيده في مشترياته ضمن ضوابط صحية تحكم الاستهلاك. واتجه السجن إلى منع التدخين بعد شهر رمضان مع برامج مساندة للإقلاع عنه، وبحسب ما عُرض لنا حظي القرار بقبول النزلاء. فالإنسان سيحمل عاداته معه، والعادة الصحية التي تتشكل خلال المحكومية تخرج معه.

ويمتد ذلك إلى ملف طبي ومتابعة للحالة الجسدية والنفسية لكل نزيل، وخدمات في تخصصات متعددة تشمل طب الأسنان، واستشارات عبر الاتصال المرئي، وبعض عمليات اليوم الواحد داخل السجن، والتنسيق مع المستشفيات والأطباء المتخصصين وفق الحاجة. الحكم قيّد حرية الإنسان، وصحته خلال هذه المدة أصبحت ضمن مسؤولية الدولة. العقوبة تُنفذ، والإنسان يُرعى.

وتأخذ الأسرة موقعها في رحلة العودة. توجد برامج للزيارات ولمّ الشمل، ومرافق للقاء الزوجين، وبرامج للمتزوجين حديثًا، وجناح للزوجية يمكن أن يقضي فيه الزوجان وفق البرنامج المقرر مدة تصل إلى أسبوع. وإذا أقامت أسرة النزيل من الدرجة الأولى خارج منطقة السجن، فقد تشمل الترتيبات تذاكر الطيران والإعاشة ومبلغًا ماليًا لتيسير الزيارة على نفقة الدولة. وإذا كان الوالدان كبيرين في السن وتصعب عليهما الرحلة، يمكن نقل النزيل بالتنسيق إلى سجن قريب من مكان إقامتهما لإتاحة زيارة مكثفة تمتد وفق البرنامج إلى أسبوع.

الحكم يقع على الفرد، وأثره يصل إلى أسرته، والأسرة نفسها ستكون إحدى أهم بيئات عودته. لذلك تصبح المحافظة على الرابط الأسري جزءًا من الإصلاح.

ويمتد الاتصال إلى خارج المملكة. بحسب ما عُرض لنا، يضم ذهبان نزلاء من نحو أربعين جنسية، ويزور ممثلو السفارات رعاياهم ويطلعون على أوضاعهم والخدمات المقدمة لهم.

ومن مجموع هذه التفاصيل ظهر أمامي مفهوم واحد: الإحسان.

الإحسان يتحول من قيمة أخلاقية إلى ممارسة مؤسسية. العدل يحدد الفعل والمسؤولية والجزاء، والإصلاح يستثمر زمن الجزاء في بناء القدرة على العودة، والإحسان يصوغ رحلة الإنسان خلالها: صحته تحت الرعاية، أسرته حاضرة، موهبته تجد مساحة، علمه يحتفظ بقيمته، وقته يصبح موردًا، ومسؤوليته تبدأ قبل أن يفتح الباب.

وبحسب ما عُرض لنا خلال الزيارة، قُدرت نسبة من يمضون بعد الخروج في مسار الإصلاح والنفع في المجتمع بنحو 80%. والرقم يفتح سؤال الأثر: كيف يُعرّف هذا المسار؟ ما فترة المتابعة؟ كيف تُصنف الحالات؟ وما علاقة النتيجة بالبرنامج والأسرة والتعليم والعمل والعمر وطبيعة القضية؟

وقد تكون أهم مخرجات السجن جريمة غابت عن سجل المجتمع.

عندها تتحول الممارسة إلى معرفة مؤسسية. ما يظهر بعد الإفراج يعود إلى المنظومة، فيؤثر في البرنامج التالي ويعيد ترتيب الموارد والأولويات. فالمقياس الأبعد للإصلاح يعيش خارج الأسوار، في الإنسان الذي عاد إلى أسرته وعمله ومجتمعه.

وهذه هي العدسة التي ستتحرك بها سلسلة «هندسة البلد الآمن». سنذهب خلف الأمن الذي نعيشه إلى المنظومات التي تصنعه؛ إلى الوقاية والرصد والاستجابة والتحقيق والأمن الجنائي وأمن الدولة ومكافحة المخدرات والإصلاح والتكامل بين المؤسسات.

فالأسوار تضبط الحاضر، والعدل ينفذ الحكم، والإحسان يصنع طريق العودة. وعندما يعود الإنسان قادرًا على حمل دوره في المجتمع، تكون الدولة قد وسعت معنى الأمن من التعامل مع الخطأ إلى تقليل احتمالات تكراره.

وهذه هي هندسة البلد الآمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى