كتاب الرأي

انصحك وأتمنى لك الخير

كانت النصيحة تشترى بالفلوس حسب ما كنا نسمع من الآباء والأجداد أما الآن ومع توفر وسائل التواصل الإجتماعي وتدخل الذكاء الاصطناعي في مفاصل الحياة تذبذب طلب النصيحة من العقلاء لتوفر وسائل أخرى كما أشرنا أقل تكلفة وأكثر مرونة من وجهة نظر من لا يرغبون في الظهور بالصورة أمام الآخرين .

كما أن البعض منهم يخشى أن تكون تلك النصيحة ديناً عليه يُذكره بها الناصح كلما إشتدت الظروف أو توترت العلاقة !!!

والبعض الآخر لا يرغب أن يكون للآخرين فضلاً عليه فيبتعد عن النصائح المباشرة ويلجأ للذكاء الاصطناعي.

بينما يُفترض أن لا تظن أنني عندما أنصحك أضع نفسي في مكانة أعلى منك ولا أنني أدّعي المثالية أو أزعم أنني لم أخطئ يوماً فقد تكون نصيحتي لك وُلدت من خطأ ارتكبته أو تجربة قاسية مررت بها أو موقف تمنيت لو أن أحدًا سبقني إليه بنصيحة صادقة تختصر عليّ كثيرًا من الطريق.

فالإنسان لا يتعلم من نجاحاته وحدها بل ربما كانت أخطاؤه أكثر دروس الحياة صدقًا وتأثيرًا ومن عاش تجربة مؤلمة وأدرك نتائجها يصبح أكثر حرصًا على ألا يراها تتكرر في حياة من يحب، وحين يقول لك: «لا تفعل»، فقد لا يقولها لأنه لم يفعل بل لأنه فعل وعرف الثمن.

وهنا يكمن الفرق بين النصيحة والتعالي المتعالي يحدثك عن أخطائك ليشعرك بأنه أفضل منك أما الناصح الصادق فيحدثك عنها لأنه يتمنى لك أن تكون أفضل منه.

الأول يبحث عن إثبات ذاته والثاني يبحث عن مصلحتك والأول قد يفرح بعثرتك بينما الثاني يحاول أن يزيح الحجر من طريقك قبل أن تتعثر به.

ولذلك فإن أجمل النصائح ليست دائمًا تلك التي تأتي من أشخاص لم يخطئوا فهؤلاء قد لا يكون لهم وجود أصلًا لأننا جميعًا بشر نصيب ونخطئ نتعلم ونتغير ونكتشف مع مرور الأيام أن بعض ما كنا نراه صوابًا لم يكن كذلك وإنما قيمة الناصح الحقيقية في أن يحوّل أخطاءه إلى دروس يستفيد منها الآخرون.

وقد ينصح الأب ابنه في أمر لأنه أخطأ فيه يومًا ويحذر الكبيرُ الصغيرَ من رفقة سيئة لأنه عرف عواقبها وينصح الصديق صديقه بالتروي في قرار لأنه سبق أن دفع ثمن التسرع.

هؤلاء لا يقولون: نحن أفضل منكم، وإنما يقولون بطريقة غير مباشرة: لقد عرفنا هذا الطريق ونعرف أين توجد عثراته فلا نريد لكم أن تتألموا كما تألمنا.

وهذا في جوهره لون جميل من ألوان الإيثار حينما تمنح الآخرين خلاصة تجربة دفعت أنت ثمنها وتكشف لهم أخطاءك بدل أن تخفيها حفاظًا على صورة مثالية زائفة بل إن الاعتراف بالتجربة والخطأ قد يجعل النصيحة أكثر صدقًا لأن صاحبها لا يتحدث من برج عالٍ وإنما يتحدث من أرض الواقع.

كنا نستضيف في عملنا السابق بعضاً من المتعافين من إدمان المخدرات ليتحدثوا عن تجربتهم مع تلك الآفة اللعينة ومعاناتهم وكيف تعافوا منها وكان أولئك المتعافين واضحاً على كل من حضر المحاضرة لأنه وكما يقول المثل : إسأل مجرب ولا تسأل طبيب .

وفي المقابل ينبغي لمن يتلقى النصيحة ألا ينشغل دائمًا بالسؤال: وهل الناصح يطبق ما يقول؟!!

صحيح أن القدوة مهمة وأن النصيحة تكون أقوى حين يوافقها العمل لكن خطأ الناصح لا يجعل نصيحته خاطئة بالضرورة فمن يحذرك من حفرة وقع فيها لا يُعقل أن ترفض تحذيره لأنه وقع فيها قبلك!!!

كما أن للنصيحة أدبًا لا يكتمل معناها الجميل إلا به فالنصيحة التي تجرح الكرامة أو تُقال أمام الناس بطريقة فيها تقليل من شأن الإنسان قد تفقد أثرها مهما كانت صحيحة أما حين تأتي بهدوء وفي الوقت المناسب وبكلمات تحفظ للآخر مكانته، فإنها تصل إلى القلب قبل أن تصل إلى العقل.

الناصح الصادق لا يستعرض فضائله ولا يمنح نفسه شهادة أنه أكثر حكمة أو كمالًا، وإنما يوجه رسالة محبة تقول للآخر: أتمنى لك طريقًا أقل ألمًا وتجربةً أقل خسارة ومستقبلًا أفضل مما مررت به.

لذلك حين ينصحك شخص يحبك لا تبحث أولًا في سجل أخطائه بل تأمل في صدق كلماته فقد يكون وراء نصيحته جرح قديم لا تعرفه أو تجربة دفع ثمنها غاليًا ثم اختصرها لك في جملة واحدة.

فليس كل من نصحك مثاليًا، ولكنه قد يكون محبًا وليس كل من حذرك أفضل منك ولكنه ربما يتمنى لك أن تكون أفضل منه.

وهنا تتجلى أجمل معاني النصيحة في
أن أعطيك من تجربتي ما يجنبك أخطائي، وأتمنى لك من النجاح ما لم أصل إليه فالنصيحة الصادقة محبة وإيثار وليست ادعاءً للكمال فالكمال لله والمسلم مرآة أخيه و حب الخير أمنية الجميع .

• كاتب رأي ومستشار أمني

عبدالله سالم المالكي

كاتب رأي - مستشار أمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى