مع عودة المدارس، تعود بنا الذاكرة إلى مدارسنا القديمة، وإلى صباحات بعيدة ما زالت حاضرة في القلب بتفاصيلها الصغيرة والبسيطة؛ من جرس الطابور الصباحي إلى الطريق الذي كنا نسلكه كل يوم نحو المدرسة.
نحن أبناء جيل كانت فرحته تبدأ بحقيبة مدرسية بسيطة، نحمل فيها كتبنا ودفاترنا، وما زلنا نتذكر رائحة الكتب الجديدة وهي تُجلّد بالبلاستيك الشفاف بعناية، والدفاتر التي تزين أغلفتها جداول الضرب، والمقلمة بما فيها من أقلام رصاص ومبراة صغيرة وممحاة بألوان زاهية.
كنا نذهب إلى المدرسة سيراً على الأقدام، نلتقي في الطريق بأصدقاء الحارة، ونصل قبل بداية الطابور، فنقف في صفوفنا ونردد الأناشيد بأصواتنا الصغيرة وحماسنا الكبير.
وحين يرن جرس الفسحة، نتناول سندويتشات بسيطة أعدّتها أمهاتنا في الصباح الباكر، ثم ننطلق إلى #ساحة_المدرسة ؛ نلعب كرة القدم وغيرها من ألعاب الطفولة التي لم تكن تحتاج إلى شاشة أو إنترنت، بل إلى مجموعة من الأصدقاء ومساحة صغيرة نمرح فيها حتى يرن الجرس من جديد.
وكان للمعلم هيبته واحترامه، وللوالدين مكانتهما، وللجار حقه، وللكبير تقديره، كنا نعرف أهل الحارة بيتاً بيتاً، ونشارك بعضنا الأفراح والأحزان، ونعيش بتقارب وألفة لا تزال تفاصيلهما عالقة في الذاكرة.
وفي المساء، نجتمع حول التلفاز لمشاهدة الرسوم المتحركة ومسلسلات الأطفال التي كانت تحمل كثيراً من القيم الاجتماعية والتربوية، إلى أن يحين موعد نشرة الأخبار، ليهدأ بعدها البيت استعدادًا للنوم.
كانت البيوت أصغر وأبسط، لكنها عامرة بأهلها، والمجالس متواضعة، لكنها لا تخلو من الأقارب والجيران الذين يتبادلون القصص والحكايات، وفي ليالي الصيف، كنا ننام فوق سطوح المنازل، نتأمل السماء والنجوم، ونستمتع بأشياء تبدو اليوم في غاية البساطة، لكنها كانت تعني لنا الكثير.
ولا نقول إن زماننا كان أجمل من كل الأزمنة؛ فلكل جيل أيامه وذكرياته، لكننا حين نستعيد تلك السنوات ندرك أن أجمل ما فيها كان بساطتها، وقرب الناس من بعضهم، وقدرتهم على أن يجدوا سعادتهم في أشياء قليلة.
مضت تلك السنوات، وبقيت تفاصيلها الصغيرة حاضرة في الذاكرة؛ وجوه وبيوت ورفاق وأيام لا تُنسى.
رحم الله تلك الأيام الجميلة، فما زالت ذكرياتها حيّة فينا رغم مرور السنين.