لم يعد الإعلام في عالم اليوم مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تقديم الترفيه، بل أصبح بالفعل إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تعتمد عليها الدول في بناء صورتها الذهنية، والتعريف بثقافتها وقيمها وهويتها، وتعزيز حضورها وتأثيرها خارج حدودها. وتأتي المسلسلات الدرامية والأفلام في مقدمة المنتجات الإعلامية القادرة على أداء هذا الدور، لأنها تخاطب المشاهد بالصورة والقصة والعاطفة، وتدخل إلى تفاصيل حياته بصورة تلقائية قد يكون تأثيرها أعمق من كثير من الحملات الإعلامية والإعلانية المباشرة. والمتأمل في التجارب العالمية يدرك أن بعض الدول عُرفت لدى شعوب أخرى من خلال إنتاجها السينمائي والتلفزيوني قبل أن تُعرف من خلال الكتب أو الحملات السياحية التقليدية. فالمشاهد لا يتابع في الفيلم أو المسلسل قصة وشخصيات فحسب، وإنما يشاهد المدن والشوارع والمطاعم والأسواق والفنادق والطبيعة والملابس والعادات واللهجات وأنماط الحياة، فتتشكل لديه تدريجياً صورة ذهنية عن البلد، وقد تتحول هذه الصورة إلى رغبة حقيقية في زيارته والتعرف إليه عن قرب.ولعل التجربة الأمريكية من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ استطاعت هوليوود، على مدى عقود طويلة، أن تقدم الولايات المتحدة للعالم عبر السينما، وأن تجعل مدناً ومعالم أمريكية عديدة حاضرة في الذاكرة العالمية. ولم يكن غريباً أن يرغب بعض المشاهدين في زيارة الأماكن التي شاهدوها مراراً على الشاشة، لتتحول الدراما والسينما بصورة غير مباشرة إلى أداة للترويج السياحي والثقافي. والأمر نفسه يمكن ملاحظته في التجربة الهندية، فقد أسهمت «بوليوود» في التعريف بالهند وثقافتها وأزيائها وموسيقاها ومناطقها السياحية، وأصبحت السينما الهندية إحدى النوافذ التي يطل منها العالم على المجتمع الهندي. كما قدمت تجارب آسيوية وأوروبية وعربية نماذج مشابهة ، و من ابرزها كوريا الجنوبية، حين استطاعت الأعمال الدرامية الناجحة أن تخلق لدى الجمهور فضولاً ورغبة في زيارة المواقع والمدن التي ظهرت فيها.
وهنا تكمن أهمية مفهوم «السياحة المرتبطة بالشاشة»، حيث يتحول موقع تصوير مسلسل أو فيلم ناجح إلى وجهة سياحية يقصدها الجمهور. وهذا يؤكد أن العلاقة بين الإعلام والسياحة لم تعد علاقة هامشية، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة اقتصادية وثقافية متكاملة، تبدأ من صناعة المحتوى ولا تنتهي عند الفنادق والمطاعم والأسواق والنقل والفعاليات والاستثمارات المرتبطة بالوجهة السياحية. ومن هنا أيضاً يمكن فهم الأسباب التي تدفع كثيراً من الدول إلى استثمار مبالغ ضخمة في إنشاء مدن واستوديوهات ومناطق متخصصة للإنتاج الإعلامي والسينمائي، واستقطاب شركات الإنتاج العالمية، وتقديم التسهيلات والحوافز لها. فالعائد لا يُقاس فقط بإيرادات إنتاج فيلم أو مسلسل، وإنما بما يتركه هذا الإنتاج من أثر طويل المدى في صورة الدولة وحضورها الثقافي وجاذبيتها السياحية والاستثمارية. فالعمل الدرامي الناجح قد يشاهده عشرات الملايين في عشرات الدول، ثم يبقى متداولاً سنوات طويلة عبر المنصات الرقمية. وهذا يعني أن مشهداً واحداً لمعلم سياحي أو منطقة تاريخية أو مدينة حديثة يمكن أن يتكرر أمام ملايين المشاهدين، وهي قيمة ترويجية يصعب أحياناً تحقيقها بالأساليب الإعلانية التقليدية مهما بلغت ميزانياتها.
والأهم من ذلك أن الدراما لا تقدم المكان بوصفه إعلاناً مباشراً، وإنما تدمجه في القصة والحياة اليومية للشخصيات؛ ولذلك يكون تأثيره أكثر طبيعية. فالمتلقي قد يرفض الإعلان المباشر أو يتجاوزه سريعاً، لكنه عندما يرتبط وجدانياً بشخصيات مسلسل أو أحداث فيلم، فإنه يتفاعل أيضاً مع البيئة والمكان والثقافة المحيطة بتلك الشخصيات. ومن هذا المنطلق، فإن المملكة العربية السعودية تمتلك فرصة كبيرة لبناء نموذج متقدم في توظيف الإعلام والدراما والسينما ضمن منظومة قوتها الناعمة، خصوصاً في ظل التحولات الكبيرة التي تشهدها المملكة في إطار رؤية المملكة المستقبلية الطموحة 2030، وما صاحبها من توسع غير مسبوق في قطاعات الثقافة والسياحة والترفيه والسينما، إلى جانب المشروعات الكبرى والوجهات السياحية الجديدة.
فالمملكة ولله الحمد تملك مادة ثرية جداً لصناعة المحتوى: تاريخ عريق، وتنوع جغرافي وثقافي واجتماعي، ومدن حديثة، ومواقع أثرية وتراثية، وصحارى وجبال وسواحل، وتراثاً شعبياً متنوعاً، فضلاً عن النهضة التنموية الكبرى التي تعيشها البلاد. وهذه العناصر، إذا حضرت بصورة احترافية داخل الأعمال الدرامية والسينمائية، تستطيع أن تقدم المملكة إلى العالم بصورة إنسانية وثقافية وحضارية جذابة. ولا ينبغي أن يقتصر دور الدراما السعودية على الترفيه أو معالجة القضايا الاجتماعية المحلية فقط، على أهمية ذلك، بل من المهم النظر إليها باعتبارها صناعة استراتيجية يمكن أن تخدم أهدافاً وطنية متعددة في وقت واحد، فهي تستطيع تعزيز الهوية الوطنية، والتعريف بالثقافة السعودية، ونقل التحولات الاجتماعية والتنموية، وتسويق المواقع السياحية، وتشجيع الاستثمار، واستقطاب الإنتاج العالمي، وفي الوقت ذاته توفير الوظائف وتنمية المواهب الوطنية في مختلف تخصصات صناعة الإعلام والسينما.كما أن نجاح هذا التوجه يحتاج إلى تكامل بين الجهات المعنية بالإعلام والثقافة والسياحة والاستثمار والقطاع الخاص وشركات الإنتاج والمنصات الرقمية، بحيث تصبح صناعة المحتوى جزءاً من استراتيجية أشمل لتقديم المملكة للعالم. فالقوة الناعمة لا تُصنع بقرار منفرد، وإنما ببناء طويل المدى تتكامل فيه الثقافة والفنون والإعلام والتعليم والسياحة والدبلوماسية العامة.ومن المهم كذلك تشجيع المنتجين والكتاب والمخرجين على اكتشاف مختلف مناطق المملكة، وعدم حصر الصورة الدرامية في نطاق جغرافي محدود، فلكل منطقة من مناطق بلادنا قصتها وخصوصيتها وتراثها وطبيعتها ولهجتها وموروثها الثقافي. وظهور هذا التنوع في أعمال ذات جودة عالية سيقدم للعالم صورة أكثر ثراءً عن المملكة، وقد يسهم في تحويل مواقع تصوير تلك الأعمال مستقبلاً إلى وجهات يقصدها السياح من الداخل والخارج.إننا أمام مرحلة لم يعد فيها السؤال: ماذا تقدم الدراما للمشاهد؟ بل أصبح السؤال الأوسع: ماذا تستطيع الدراما أن تقدم للوطن؟ والإجابة أنها تستطيع أن تقدم الكثير متى ما تم التعامل معها بوصفها صناعة ثقافية واقتصادية واستراتيجية، وليست مجرد ساعات من الترفيه. فالمسلسل الناجح قد يكون سفيراً للوطن، والفيلم المتميز قد يكون حملة سياحية عالمية غير مباشرة، والمشهد الجميل قد يدفع مشاهداً على بعد آلاف الكيلومترات إلى اتخاذ قرار بزيارة المكان الذي شاهده على الشاشة. لهذا فإن الاستثمار في الإعلام والدراما والسينما ليس ترفاً، ولا ينبغي النظر إلى ما تنفقه الدول على مدن الإنتاج الإعلامي والبنية التحتية لهذه الصناعة بوصفه إنفاقاً محدود العائد، بل هو استثمار طويل المدى في صورة الوطن وهويته وثقافته وسياحته واقتصاده وقوته الناعمة.
وفي عصر أصبحت فيه الصورة تعبر الحدود خلال ثوانٍ، والمنصات تصل إلى كل بيت تقريباً، فإن الدول التي تحسن رواية قصتها للعالم ستكون أقدر على بناء حضورها والتأثير في الآخرين. والمملكة بما تملكه من تاريخ وحضارة وثقافة وتحولات تنموية ومقومات سياحية هائلة، جديرة بأن تكون قصتها حاضرة بقوة على الشاشات العالمية. فأحياناً يبدأ قرار السفر من مشهد، ويبدأ الإعجاب بوطن من قصة، وتبدأ القوة الناعمة من شاشة.
0




