يعود تاريخ انطلاقة النهضة القضائية الحديثة إلى عام 1430هـ عند تدشين مشروع تطوير مرفق القضاء والذي رُصدت له ميزانية تاريخية قدرها 7 مليارات ريال لترسيخ البنية التحتية للمنظومة، ومع انطلاق رؤية المملكة 2030، حظي القطاع العدلي بدعم غير مسبوق ومتابعة شخصية مستمرة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله، حيث وضعت الوزارة ضمن مستهدفات الرؤية 45 مبادرة استراتيجية نُفِّذ واكتمل معظمها ولله الحمد، مما أحدث نقلة نوعية أصلت لمفهوم العدالة الناجزة.
ومنذ تولي وزير العدل الدكتور وليد الصمعاني زمام الأمور، شهدت الوزارة تطوراً تقنياً غير مسبوق استكمالاً لهذه المسيرة المباركة، فبعد أن كان القضاء يعاني سابقاً من ازدحام الجلسات وتباعد مواعيدها، أصبحت هذه المعاناة من الماضي بعد تحقيق تحول رقمي شامل جعل المملكة في مقدمة دول العالم ريادةً في هذا المجال، وبات المستفيد ينجز معاملاته العدلية بسهولة من منزله، حتى أضحت التجربة السعودية محط أنظار العالم للاستفادة منها.
وفي هذا السياق، ينتظر المواطنون بشغف صدور نظام العقوبات، الذي بصدوره سيكتمل الهيكل التشريعي للمنظومة العدلية؛ إذ سيسهم هذا النظام في الحد من التباين والتفاوت في الأحكام القضائية، ليصبح الحكم مستنداً إلى مواد نظامية محددة ومُنظَّمة بدلاً من الاعتماد على الاجتهاد التقديري الفردي، مما يعزز العدالة التنبؤية ويزيد من شفافية الأحكام.
ولكن رغم هذا التميز والتطوير، ما يعكر صفو هذا الإنجاز وجود بعض السلبيات التقنية التي نتمنى من معالي الوزير التوجيه بحلها، كونها تمثل عائقاً أمام المراجعين وتطيل أمد التقاضي أحياناً، وتتلخص في تأخر البت في تذاكر الدعم الفني وعدم وجود وقت محدد للرد، ونقترح أن يتم حسمها خلال 48 ساعة كحد أقصى، مع تحديد وقت معلن للرد على تسجيل الدعاوى الجديدة، كما نعاني من غياب خط تواصل مباشر وفعال بين المتقاضين والدائرة القضائية، إضافة إلى عدم اكتمال الربط الإلكتروني المباشر بين منصة إيجار ووزارة العدل، علماً بأن إنجاز هذا الربط يقلل من تأجيل الجلسات، ويسرع إيصال الحقوق، ويبث الاطمئنان لدى المستثمرين.
إن تأثير الاكتمال التشريعي والرقمنة العدلية على الاقتصاد الكلي يمثل علاقة طردية ومترابطة، فكلما زاد معدل سرعة الإنجاز ووضوح الأنظمة ارتفعت ثقة المستثمر المحلي والأجنبي لضخ الأموال في الاقتصاد الوطني، كما أن متطلبات المؤشرات الدولية للتصنيف العالمي تفرض على الدول مواصلة التحديث وابتكار أفكار جديدة لضمان البقاء في المراكز الأولى دائماً.
ختاماً، إن الكاتب هو صوت المواطن الموجه للمسؤول، والغاية من إيصال هذه الإشكاليات العالقة هي المساهمة في حلها لبلوغ هدف أسمى تتمثل فيه رفعة الوطن، واستكمال مسيرة النجاح العدلي، وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة الطموحة.


