كلما احتدم نقاش، أو مررنا بموقف محيّر، جاء أحدهم بحكاية من الماضي… وكأن الحكمة توقفت عند أجدادنا، ولم يبقَ لنا منها إلا ما ورثناه!
في المجالس، وفي المكاتب، وفي مجموعات «واتساب»، كثيراً ما نستحضر مواقف حدثت لآبائنا وأجدادنا؛ مواقف حقيقية تجمع بين الحكمة والطرافة، وكأنها جاءت لتقول لنا إن لكل مشكلة مررنا بها أصلاً في الماضي، وإن لكل موقف حكاية تسبقه.
لكن لماذا يحدث ذلك؟ والسؤال الذي يبرز دائماً: لماذا كلما بحثنا عن الحكمة عدنا إلى الماضي؟
هل أصبح حاضرنا فقيراً إلى المواقف التي تستحق أن تُروى؟ وهل نحن نعيش أحداثاً كثيرة، لكننا لم نعد نصنع منها قصصاً تبقى؟
لا أعتقد أن الحكمة توقفت عند جيل الأجداد، ولا أن حاضرنا مفلس منها. فنحن نعيش اليوم مواقف لا تقل عمقاً أو طرافة، بل ربما أكثر من أي وقت مضى، لكننا نمر بها بسرعة. نصوّر الحدث، وننشره، ثم ننتقل إلى حدث آخر، قبل أن نتوقف لحظة لنسأل: ماذا تعلمنا منه؟ وما الحكاية التي يمكن أن تبقى؟
ربما لم يكن أجدادنا يعيشون أحداثاً أكثر منا، لكنهم كانوا يمنحون الحدث وقتاً أطول، ويحفظون تفاصيله، ثم يحولونه إلى حكاية تتناقلها الأجيال. أما نحن، فنعيش مواقف كثيرة، لكننا نسمح لها أن تضيع وسط زحام الرسائل والمقاطع والأخبار.
نحن لا نفتقر إلى الأحداث، ولا إلى الحكمة، بقدر ما نفتقر إلى من يلتقط المعنى من بين تفاصيل الحياة، ويحتفظ به، ثم يرويه في الوقت المناسب.
لعل من واجبنا أن نصنع من حاضرنا حكايات تستحق أن يسمعها أبناؤنا وأحفادنا؛ حتى لا يأتي يوم يبحثون فيه عن حكمة جيلنا، فلا يجدون إلا منشورات عابرة ضاعت في زحام المنصات.
وفي ختام هذه الخاطرة، شكراً لصديقي العزيز أبو وليد، الذي جعلني أتوقف أمام هذا السؤال؛ فبفضل ما يستحضره من حكايات الماضي الجميلة، أدركت أن الحكمة لا تكمن في القصة وحدها، بل فيمن يعرف كيف يلتقطها، ويحفظها، ويرويها في الوقت المناسب.
0

