احتلال الأوطان يبدأ من احتلال العقول” مقولة تختصر واقعا مريرا عاشته وتعيشه بعض شعوب المنطقة
شهد العراق عقب سقوط نظام صدام حسين واحدة من أسوأ الحقب التاريخية في تاريخه الحديث على كافة الأصعدة الاقتصادية والثقافية والدينية ومرد ذلك إلى تغلغل نفوذ “نظام ولاية الفقيه” وسيطرته على مقاليد الأمور حيث عمل هذا النفوذ على إعادة تشكيل وعي الإنسان العراقي وإقناعه -زوراً- بأن الخلاص والقبول المباشر مرتبط بالولاء المطلق لمشروع “الفقيه” مما فرض حالة من التبعية والمقاداة
وترتب على هذا الاستلاب الفكري نتائج كارثية إذ تم نهب مقدرات الشعب العراقي وثرواته النفطية وتراجعت معدلات التنمية لحساب تفشي الفقر فضلا عن المساس بالمناهج التعليمية وتغريبها عبر إقحام روايات ومقولات ضعيفة تهدف إلى ترسيخ التبعية للخارج منذ النشأة
البوابة الشرقية والتدخلات الخارجية
إن الحديث عن هذه الحقبة لا يقلل إطلاقا من الانتهاكات الإنسانية التي شهدها عهد صدام حسين إلا أن التاريخ يشهد أن السيادة الوطنية والحدود العراقية لم تكن مستباحة كما لم يكن القرار الوطني خاضعا لإرادة خارجية فقد كان ينظر للعراق حينها كـ “حارس للبوابة الشرقية” في وجه الأطماع الإيرانية وللأسف لم يدرك الكثيرون حقيقة وأبعاد تلك المعادلة إلا بعد فوات الأوان
ولعل خير شاهد على حجم السيطرة والتدخل الصريح في الشأن العراقي ما كشفه وزير الكهرباء العراقي السابق “قاسم الفهداوي” عن زيارته لإيران عقب أزمة انقطاع الكهرباء في البصرة حيث التقى بوزير النفط الإيراني وطلب منه بإلحاح تزويد العراق بالكهرباء ليأتيه الرفض القاطع والمفاجئ والسبب: اعتراض طهران على إعادة انتخاب حيدر العبادي لرئاسة الحكومة
يظهر هذا الموقف حجم الارتهان والصلف حيث خروج الوزير إلى فندقه يتحسر على ما آلت إليه أمور بلاده العظيمة وتسليم قرارها للخارج ورغم الموقف الكريم والمبادرة الأخوية التي جاءت من المملكة العربية السعودية عبر وزير كهربائها لإمداد العراق بالكهرباء إلا أن الأذرع والنفوذ الموالي لإيران في الداخل العراقي وقفا سدا منيعا أمام رفض هذه المساعدة مجانا
الوعي السياسي وتحصين الفكر
لقد نجح الإعلام الغربي على مدار سنوات سبقت السقوط في غرس صورة وردية في ذهن المواطن العراقي بأن غياب النظام السابق يعني فورا النعيم والرفاهية ولكن الحقيقة المرة التي اكتشفها المواطن متأخرا هي أنه وقع ضحية لاستغلال بشع أدى في النهاية إلى تدمير مقومات دولته
إن التجربة العراقية تقدم درسا قاسيا للأمم: إن الحفاظ على الأوطان يبدأ من تحصين عقول الشباب ضد أي أدلجة أو فكر وافد وتحديث وسائط التوعية الوطنية بما يتناسب مع تحديات العصر
وختاما نستحضر روائع الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في حنينه الخالد وشوقه لأرض العراق:
حييت سفحك عن بعد فحييني
يا دجلة الخير يا أم البساتين
حييت سفحك ظمآنا ألوذ به
لوذ الحمائم بين الماء والطين
يا دجلة الخير يا نبعا أفارقه
كأنني أستقي من ماء يغليني
يا دجلة الخير قد هانت مطامحنا
حتى لأدنى طموح منك يكفيني



