كتاب الرأي

من الفكرة إلى السوق: فجوة التمويل التي قد تبطئ مستقبل التقنية الحيوية في السعودية

لم تعد الدول تتنافس اليوم فقط على من يملك أكبر عدد من المختبرات أو ينشر أكبر عدد من الأبحاث، بل على سؤال أكثر أهمية: من يستطيع تحويل المعرفة إلى قيمة؟

وفي التقنية الحيوية تحديدًا، لا تكمن الصعوبة الكبرى دائمًا في ولادة الفكرة العلمية، بل في الرحلة التي تبدأ بعد ذلك؛ حين يغادر الاكتشاف صفحات البحث العلمي ليصبح تقنية قابلة للاختبار، ثم منتجًا، ثم شركة، ثم صناعة ذات أثر اقتصادي وصحي.

وهنا تظهر واحدة من أكثر الفجوات حساسية في منظومة الابتكار: فجوة تمويل الابتكار المبكر (Early-stage Innovation Funding Gap).

لدينا أفكار… ولكن من يمول الرحلة الأولى؟

في السعودية، نشهد تطورًا متسارعًا في البحث العلمي والتقنية الحيوية، مدعومًا بطموحات رؤية السعودية 2030، ونمو القدرات الوطنية، وتطور البنية التحتية البحثية، والاهتمام المتزايد بالتقنيات الحيوية والصناعات الصحية والدوائية.

لكننا بدأنا، في الوقت ذاته، نلاحظ تحديًا يستحق التوقف عنده: الفجوة بين البحث العلمي الواعد وبين المشروع الذي أصبح ناضجًا بما يكفي لجذب المستثمر.

فالباحث قد يصل إلى اكتشاف مهم، أو جزيء واعد، أو منصة تشخيصية، أو تقنية علاجية مبتكرة، لكنه يحتاج بعد ذلك إلى تمويل لإثبات المفهوم Proof-of-Concept، والتحقق من الجدوى، وحماية الملكية الفكرية، والتطوير قبل السريري، وبناء النموذج الأولي، واستكمال المتطلبات التنظيمية الأولية.

وهذه المرحلة هي الأكثر هشاشة؛ لأن المشروع يكون قد تجاوز حدود البحث الأكاديمي التقليدي، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى النضج الذي يبحث عنه كثير من المستثمرين.

إنها المنطقة الواقعة بين المختبر والسوق.

حين يصبح الاستثمار أقل جرأة

من الطبيعي أن يبحث المستثمر عن العائد وأن يدير المخاطر، لكن المشكلة تبدأ عندما يتركز التمويل بصورة متزايدة على الشركات والأصول التي جرى بالفعل تخفيض مخاطرها De-risked Assets، أو التي أصبحت قريبة من السوق والتخارج.

عندها قد ينشأ تناقض لافت:

لدينا رأس مال يبحث عن فرص ناضجة، ولدينا ابتكارات علمية تبحث عن رأس مال كي تنضج.

وهذه ليست مجرد فجوة تمويل؛ بل قد تتحول تدريجيًا إلى فجوة ترجمة وابتكار، تضيع خلالها أفكار واعدة قبل أن تحصل على فرصة حقيقية لإثبات قيمتها.

فكم من ابتكار قد يبقى ورقة علمية ممتازة لأنه لم يجد التمويل اللازم للانتقال إلى المرحلة التالية؟

وكم من ملكية فكرية قد تتوقف عند تسجيل براءة اختراع دون أن تتحول إلى منتج؟

وكم من باحث قد يملك الفكرة، لكن لا يجد المسار المؤسسي والتمويلي الذي يأخذها من المختبر إلى الصناعة؟

التقنية الحيوية تحتاج إلى رأس مال صبور

الـBiotech ليس استثمارًا تقنيًا تقليديًا.

فهو يحتاج إلى وقت أطول، وتجارب أكثر، ومسارات تنظيمية معقدة، واحتمالات فشل علمي حقيقية. لذلك فإن بناء صناعة تقنية حيوية وطنية لا يمكن أن يعتمد فقط على رأس المال الذي يبحث عن نتائج سريعة.

نحتاج إلى رأس مال صبور وذكي يفهم العلم بقدر ما يفهم الاستثمار.

والأهم أن تتكامل الأدوار؛ بحيث تمول الجامعات ومراكز الأبحاث مرحلة الاكتشاف، وتدعم صناديق إثبات المفهوم الانتقال الأول، وتحتضن المسرعات الشركات العلمية الناشئة، ثم يدخل رأس المال الجريء والصناعة تدريجيًا مع انخفاض المخاطر وارتفاع القيمة.

وبذلك لا نطلب من جهة واحدة تحمل رحلة الابتكار كاملة، بل نبني سلسلة تمويل متصلة ترافق الابتكار من الفكرة حتى السوق.

لا يكفي أن نستورد الابتكار

أمام السعودية اليوم فرصة استثنائية.

فالطموح لا ينبغي أن يقتصر على جذب شركات التقنية الحيوية العالمية، أو توطين تصنيع منتجات طُورت في الخارج، أو ترخيص تقنيات ناضجة، رغم أهمية كل ذلك.

الطموح الأكبر هو أن نتمكن من إنتاج الابتكار نفسه.

أن تتحول المعرفة التي تولد داخل جامعاتنا ومراكزنا البحثية ومستشفياتنا إلى ملكية فكرية سعودية، ثم إلى منتجات وتقنيات وشركات، ومنها إلى صناعات قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا.

وهذا يتطلب بناء جسر حقيقي بين:

الباحث ← الجامعة ← الملكية الفكرية ← إثبات المفهوم ← الحاضنة والمسرعة ← رأس المال الجريء ← الصناعة ← السوق.

إذا انقطع هذا الجسر عند أي نقطة، قد نفقد قيمة سنوات من البحث والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية.

نحتاج إلى تمويل للمخاطرة العلمية… لا للنجاح فقط

ربما حان الوقت لتطوير أدوات أكثر تخصصًا لتمويل المراحل المبكرة في التقنية الحيوية، مثل صناديق Proof-of-Concept، ومنح البحث الترجمي، والتمويل المشترك بين الحكومة والقطاع الخاص، وصناديق متخصصة في Deep Tech وBiotech، مع لجان استثمار تجمع العلماء والأطباء وخبراء الصناعة والتنظيم والمستثمرين.

كما ينبغي ألا يُقاس نجاح هذه الأدوات بعدد الشركات التي تحقق أرباحًا سريعًا فقط؛ بل أيضًا بعدد التقنيات التي انتقلت إلى مرحلة أعلى من الجاهزية، وبراءات الاختراع التي تحولت إلى تراخيص ومنتجات، والشركات العلمية التي استطاعت اجتياز ما يسمى أحيانًا وادي الموت (Valley of Death) بين الاكتشاف والتطبيق.

الخلاصة: لا تجعلوا الفكرة تموت قبل أن تُختبر

لدينا في السعودية الكثير مما يدعو للتفاؤل: كفاءات علمية، بنية بحثية متنامية، استثمارات وطنية كبيرة، وطموح واضح لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.

لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى التركيز ليس فقط على كم ننفق على البحث والتطوير؟، بل على سؤال أكثر دقة:

كم من أبحاثنا استطاع أن يعبر الطريق من المختبر إلى السوق؟

فالمنافسة العالمية في التقنية الحيوية لن يحسمها فقط من يستطيع شراء التكنولوجيا، بل من يمتلك المنظومة القادرة على صناعتها منذ لحظتها الأولى.

والاستثمار الجريء الحقيقي لا يبدأ عندما يصبح النجاح واضحًا للجميع؛ بل عندما يرى في الفكرة العلمية الواعدة إمكانية لم يرها الآخرون بعد، ويمنحها الوقت والتمويل والبيئة التي تحتاجها لإثبات نفسها.

لأن مستقبل التقنية الحيوية لا يبدأ من المصنع… بل من فكرة في مختبر، وجدت من يؤمن بها قبل أن تصبح منتجًا.

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهـر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى