كتاب الرأي

من قياس الأداء إلى صناعة التميز المؤسسي

حين تتحول البيانات إلى قرارات، والقرارات إلى أثر، والأثر إلى مستقبل أفضل

في رحلة البحث عن أفضل الممارسات الإدارية التي ترتقي بأداء المؤسسات وتصنع أثرًا مستدامًا، سعدت بحضور محاضرة علمية عن بعد قدمها الدكتور القدير محمد مصطفى محمود، عبر الأكاديمية العالمية لإدارة الأداء (Global Performance Management Academy – GPMA)، وهي منظمة مهنية دولية يقع مقرها الرئيس في كندا، تُعد من الجهات الرائدة عالميًا في تقديم البرامج التدريبية، والشهادات المهنية الدولية، والاستشارات المتخصصة في مجالات التخطيط الاستراتيجي، وإدارة وقياس الأداء المؤسسي، وبناء بطاقات الأداء المتوازن (Balanced Scorecard – BSC)، وتصميم مؤشرات الأداء الرئيسي  (Key Performance Indicators – KPIs)  

وقد حملت المحاضرة رؤية إدارية متقدمة تتجاوز المفاهيم التقليدية لقياس الأداء، لتؤكد أن النجاح المؤسسي الحقيقي لا يتحقق بكثرة التقارير أو المؤشرات، وإنما بوجود منظومة متكاملة لإدارة الأداء تربط بين التخطيط والتنفيذ والقياس والتحسين المستمر.

وخلال المحاضرة، استعرض الدكتور محمد مصطفى محمود نموذجًا متكاملًا يضم العناصر العشرة اللازمة لبناء نظام أداء مؤسسي ناضج، وهو نموذج يستحق التأمل لما يحمله من فكر عملي يجعل من إدارة الأداء رحلة مستمرة للتعلم والتطوير، لا مجرد عملية لقياس النتائج.

من قياس الأداء إلى إدارة الأداء

في عالم اليوم لم يعد النجاح المؤسسي يقاس بعدد مؤشرات الأداء التي تعرضها لوحات المعلومات، ولا بعدد التقارير الدورية التي تُرفع إلى القيادات، بل أصبح يقاس بقدرة المؤسسة على تحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى أثر إيجابي ومستدام.

وهنا يكمن الفرق الجوهري بين قياس الأداء وإدارة الأداء.

فقياس الأداء يجيب عن سؤال:
ماذا حققنا؟

أما إدارة الأداء فتجيب عن أسئلة أكثر عمقًا:

  • لماذا حققنا هذه النتائج؟
  • لماذا لم نحقق المستهدف؟
  • ماذا ينبغي أن نفعل؟
  • وكيف نضمن التحسين المستمر؟

وهذا هو التحول الذي تحتاجه مؤسسات اليوم في ظل بيئات عمل سريعة التغير وتنافسية متزايدة.

أولًا: تحديد الاتجاه  (Set Direction)

لا يمكن لأي مؤسسة أن تحقق نجاحًا مستدامًا إذا لم تكن أهدافها واضحة ومترابطة.

ولهذا تبدأ المنظومة بـ:

مواءمة الأهداف  (Objective Alignment)

بحيث ترتبط أهداف الإدارات والأقسام والأفراد مباشرة بالأهداف الإستراتيجية للمؤسسة، فتتحول الإستراتيجية إلى ثقافة عمل يومية وليست مجرد وثيقة تنظيمية.

ثانيًا: بناء الأدلة (Build Evidence)

بعد تحديد الاتجاه، تأتي مرحلة بناء منظومة قياس موثوقة تعتمد على:

  • مؤشرات أداء صحيحة وموثوقة (KPIs).
  • خطوط الأساس (Baselines).
  • الأهداف المستهدفة (Targets).
  • جمع البيانات الدقيقة في الوقت المناسب.

فالبيانات هي المادة الخام لكل قرار ناجح، وإذا كانت البيانات غير دقيقة فلن تكون القرارات أفضل منها.

ثالثًا: تقييم الأداء (Evaluate Performance)

لا يكفي معرفة النتائج، بل يجب تحليلها بعمق.

وتشمل هذه المرحلة:

  • قياس النتائج الفعلية.
  • تقييم الفجوات.
  • تحليل الأسباب الجذرية.

فالمؤسسة الناجحة لا تعالج الأعراض، وإنما تبحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الفجوة بين الواقع والمستهدف.

رابعًا: اتخاذ القرار والاستجابة (Respond Effectively)

بعد تشخيص الواقع تبدأ مرحلة صناعة القرار.

وفيها يتم:

  • تحديد المسؤوليات.
  • منح صلاحيات واضحة.
  • تنفيذ الإجراءات التصحيحية.
  • إعادة توزيع الموارد عند الحاجة.

فالبيانات وحدها لا تصنع النجاح، وإنما القرار الصحيح المبني عليها.

خامسًا: المتابعة والقياس  (Follow-up Measurement)

القرار ليس نهاية الطريق.

بل تبدأ بعده مرحلة المتابعة للتحقق من:

  • تنفيذ الإجراءات.
  • إعادة القياس.
  • تقييم أثر التحسين.
  • التأكد من تحقيق النتائج المستهدفة.

فالمتابعة هي الضمان الحقيقي لتحويل الخطط إلى نتائج.

سادسًا: التعلم والتطوير (Verify • Learn • Adapt)

وهنا تصل الدورة إلى أعلى درجات النضج المؤسسي.

فكل تجربة تصبح درسًا.

وكل نجاح يصبح معيارًا جديدًا.

وكل تحدٍ يتحول إلى فرصة للتحسين والابتكار.

إن المؤسسة المتعلمة لا تكرر أخطاءها، بل تبني عليها لتصبح أكثر قدرة على التكيف والاستدامة.

دورة لا تنتهي

من أجمل ما تضمنه النموذج أنه لا ينظر إلى إدارة الأداء باعتبارها سلسلة خطوات تنتهي عند إصدار التقرير، بل باعتبارها دورة متكاملة مستمرة تبدأ بتحديد الاتجاه، ثم بناء الأدلة، فتقييم الأداء، واتخاذ القرار، ثم المتابعة، وأخيرًا التعلم والتطوير، لتعود من جديد إلى إعادة صياغة الأهداف وتحديث الإستراتيجية في ضوء ما تم تعلمه.

وهكذا تتحول إدارة الأداء إلى رحلة مستمرة من التحسين والتطوير والابتكار، بحيث تصبح كل دورة أداء أكثر نضجًا من سابقتها، وكل قرار أكثر جودة، وكل نتيجة أكثر أثرًا.

رؤية تنسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030

يتوافق هذا الفكر الإداري بصورة كبيرة مع مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي تركز على بناء مؤسسات عالية الكفاءة، تعتمد على الحوكمة والشفافية، وترتكز على اتخاذ القرار المبني على البيانات، وتعظيم الأثر، وتحقيق الاستدامة المؤسسية.

فالمرحلة القادمة لم تعد تبحث عن مؤسسات تمتلك مؤشرات أداء فحسب، بل عن مؤسسات تمتلك ثقافة أداء، تجعل من القياس وسيلة للتطوير، ومن المعرفة أساسًا للقرار، ومن القرار طريقًا للتميز.

وختاماً، خرجت من هذه المحاضرة بقناعة راسخة أن الفرق بين المؤسسة الجيدة والمؤسسة الرائدة لا يكمن في عدد مؤشرات الأداء التي تمتلكها، وإنما في قدرتها على تحويل المؤشرات إلى قرارات، والقرارات إلى تحسينات، والتحسينات إلى قيمة مضافة للمستفيدين والمجتمع.

ومن هنا فإن الرسالة الأعمق التي يقدمها هذا النموذج هي أن إدارة الأداء ليست ثقافة أرقام، بل ثقافة تعلم، وقيادة، ومسؤولية، وتحسين مستمر.

فكل دورة أداء ناجحة تُنتج معرفة، وكل معرفة تحسن القرار، وكل قرار يُطور الأداء، وكل أداء أفضل يصنع مستقبلًا أكثر تميزًا واستدامة

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهـر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى