From makkah to the worldالتقنية والإعلام الجديدالذكاء الإصطناعيالمجتمع

الذكاء الاصطناعي يوحّد لغتنا.. هل تفقد الكتابة بصمتها البشرية؟

دراسة في Nature: أدوات الذكاء الاصطناعي تقلص التنوع اللغوي في الكتابة

مع اتساع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في كتابة الرسائل والتقارير والمقالات والأبحاث، يظهر سؤال يتجاوز دقة المعلومات وسرعة الإنتاج: ماذا يحدث للغة نفسها عندما يستخدم ملايين الأشخاص الأدوات ذاتها لتحسين كتاباتهم؟

دراسة حديثة منشورة في دورية Nature Human Behaviour وجدت أن الاستعانة بالنماذج اللغوية الكبيرة في الكتابة ترتبط بانخفاض ملحوظ في التنوع اللغوي، بما قد يدفع النصوص تدريجيًا نحو قدر أكبر من التشابه، حتى عندما تبقى الأفكار الأساسية مختلفة.

أكثر من 880 ألف نص تحت الدراسة

حلل الباحثون أكثر من 880 ألف نص عبر سبع مجموعات بيانات شملت مجالات مختلفة، من الكتابة العلمية والصحفية إلى المحتوى المنشور على الإنترنت.

ووجدت الدراسة أن التباين في تعقيد الكتابة انخفض بنسب تراوحت بين 21% و50% بحسب مجموعة البيانات والنموذج المستخدم، وهو ما يعني أن النصوص بعد إعادة صياغتها بواسطة النماذج اللغوية أصبحت أقرب بعضها إلى بعض من حيث الخصائص الأسلوبية.

ولم تعتمد النتيجة على نموذج واحد فقط؛ إذ اختبر الباحثون نماذج مختلفة، من بينها GPT-3.5 وGemini وLlama 3، كما استخدموا أنماطًا متعددة من الأوامر الموجهة للنماذج، وظلت ظاهرة التجانس اللغوي حاضرة بدرجات مختلفة.

المعنى يبقى.. لكن الأسلوب يتغير

المفارقة التي ترصدها الدراسة أن الذكاء الاصطناعي يستطيع الاحتفاظ بالمضمون الأساسي للنص أثناء التحرير، لكنه قد يضغط التنوع الموجود في طريقة التعبير عنه.

وهنا تصبح القضية أوسع من مجرد «هل النص جيد أم سيئ؟».

فاللغة تحمل، إلى جانب المعلومات، إشارات عن شخصية الكاتب وسياقه وتجربته وخلفيته الاجتماعية. وعندما تُسوّى الفروق الأسلوبية بين النصوص، قد تضيع معها بعض هذه المؤشرات. وأشارت الدراسة إلى أن إعادة الكتابة بالنماذج اللغوية يمكن أن تؤثر حتى في السمات التي يُستدل عليها عن المؤلف من خلال كلماته.

بعد ظهور ChatGPT

بحث الباحثون كذلك التحولات التي طرأت على الكتابات الواقعية قبل وبعد الإطلاق العام لـChatGPT في نوفمبر 2022.

وشملت البيانات أكثر من 80 ألف ورقة على arXiv، ونحو 379 ألف مادة من Patch News، وأكثر من 318 ألف قصة على Reddit.

وأظهرت النتائج تقلصًا في تباين مجموعة من المؤشرات اللغوية بالتزامن مع ارتفاع النصوص التي تحمل سمات مرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ليست مشكلة «لغة جميلة»

تكمن أهمية النتائج في أن التجانس اللغوي قد يمتد أثره إلى مجالات تعتمد على اللغة لفهم الأشخاص.

وحدد الباحثون تطبيقات محتملة تتأثر بذلك، منها التخصيص، والتوظيف، وبعض عمليات التقييم، والحفاظ على التنوع الثقافي، وحتى المجالات التي تحاول استنتاج خصائص نفسية أو اجتماعية من اللغة المكتوبة.

وماذا عن غرف الأخبار؟

بالنسبة إلى الإعلام، تبدو المسألة أكثر حساسية.

فإذا استخدم المحررون الأدوات نفسها بالطريقة نفسها لصياغة العناوين والمقدمات وإعادة كتابة الأخبار، فقد لا تكون النتيجة «أخطاء صحفية» بالضرورة، لكنها قد تكون صحافة صحيحة لغويًا ومتقنة شكليًا ومتشابهة تحريريًا.

وهنا يظهر خطر جديد على المؤسسات الإعلامية: فقدان الهوية التحريرية.

فالعلامة الصحفية لا تتكون من صحة اللغة وحدها، وإنما من طريقة اختيار السؤال، وترتيب الأولويات، والتقاط التفاصيل، وبناء الزاوية، والسياق الذي تربط به الوقائع.

ولهذا يمكن أن يؤدي الاستخدام المفرط للنماذج الموحدة إلى ظهور:

  • عناوين متقاربة في بنائها.
  • مقدمات تستخدم المنطق نفسه.
  • مفردات متكررة.
  • زوايا صحفية متوقعة.
  • اختفاء تدريجي لصوت الكاتب والصحيفة.

ماذا يعني ذلك للإعلام السعودي؟

مع التوسع السريع في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسات الإعلامية السعودية، يصبح التحدي القادم ليس فقط «كيف نستخدم AI؟»، بل كيف نستخدمه دون أن تصبح جميع المؤسسات متشابهة؟

ويمكن لغرف الأخبار التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه طبقة مساعدة في البحث والتنظيم والتحرير والتدقيق، بينما يبقى الإنسان مسؤولًا عن العناصر التي تصنع التميّز الصحفي:

الملاحظة → السؤال → الزاوية → السياق → الحكم التحريري → الصوت.

فالذكاء الاصطناعي قد يقترح عشر مقدمات جيدة، لكن تحديد أي معلومة تستحق أن تتصدر الخبر يظل قرارًا صحفيًا.

معيار تحريري مقترح

يمكن اختصار الاستخدام المسؤول داخل غرف الأخبار في قاعدة:

«استعن بالذكاء الاصطناعي في المعالجة.. ولا تفوّض إليه الهوية التحريرية».

ويعني ذلك السماح باستخدام الأدوات في:
التلخيص، والبحث الأولي، والمقارنة، وتحليل الوثائق، والتدقيق، واقتراح البدائل.

مع إبقاء الزاوية النهائية، والتحقق، والمقابلات، والسياق، والاستنتاج الصحفي، والصياغة المميزة تحت المسؤولية البشرية.

 

«المشكلة المستقبلية قد لا تكون أن يكتب الذكاء الاصطناعي بشكل سيئ، بل أن يساعد الجميع على الكتابة بشكل جيد بالطريقة نفسها».

السؤال الذي يبقى

إذا أصبح لكل صحفي مساعد ذكي يستطيع تحسين لغته خلال ثوانٍ، فإن قيمة الصحفي لن تختفي؛ لكنها قد تنتقل أكثر فأكثر من مهارة كتابة الجملة إلى امتلاك الفكرة والملاحظة والسؤال والزاوية التي لا يملكها الجميع.

عهود الزهراني

‏رئيس قسم صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى