
حين يكتب مستخدم أمرًا لنموذج ذكاء اصطناعي ويحصل على الإجابة خلال ثوانٍ، يبدو المشهد وكأن الآلة فعلت كل شيء وحدها.
لكن خلف هذه الثواني شبكة بشرية عالمية تبدأ قبل تشغيل النموذج بوقت طويل: أشخاص يجمعون البيانات وينظفونها ويصنفون الصور والنصوص ويقيّمون الإجابات ويراجعون المحتوى ويساعدون الأنظمة على التمييز بين الإجابة المقبولة والخاطئة أو الضارة.
هذه القوة العاملة «غير المرئية» ستكون محور المؤتمر التاسع للشبكة الدولية للعمل الرقمي INDL-9، المقرر انعقاده في مقر منظمة العمل الدولية في جنيف خلال 9–11 سبتمبر 2026 تحت عنوان «سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي».
الذكاء الاصطناعي لديه سلسلة توريد
اعتدنا استخدام مصطلح «سلسلة التوريد» في السيارات والغذاء والأجهزة الإلكترونية.
لكن الذكاء الاصطناعي يمتلك سلسلة توريد أيضًا.
ويمكن تبسيطها على النحو التالي:
جمع البيانات
↓
تنظيف البيانات
↓
تصنيفها ووسمها
↓
مراجعتها
↓
تدريب النماذج
↓
تقييم المخرجات
↓
اختبارات السلامة
↓
الاستخدام النهائي
وبينما تحظى المراحل المرتبطة بالمهندسين ومراكز البيانات والرقائق باهتمام اقتصادي كبير، تبقى طبقات واسعة من العمل البشري أقل ظهورًا.
عشرات الملايين.. بلا رقم دقيق
تشير منظمة العمل الدولية إلى عدم وجود رقم عالمي دقيق لعدد الأشخاص الذين يؤدون أعمال البيانات اللازمة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، لكنها تقول إن التقديرات تصل إلى عشرات الملايين من العاملين.
ويقوم هؤلاء بوظائف تشمل تصنيف البيانات وتنظيفها والتحقق منها والتحقق من صحة مخرجاتها، إلى جانب أعمال أخرى تخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي والمنصات والتجارة الإلكترونية.
وتوضح المنظمة أن جزءًا كبيرًا من هذه الأعمال يتم عبر منصات المهام الصغيرة أو التعهيد الجماعي وشركات تعهيد العمليات، مع وجود نسبة كبيرة من القوى العاملة في دول الجنوب العالمي.
ماذا يفعل العامل فعلًا؟
تخيل أن شركة تريد تدريب نظام لتمييز المشاة في صور الشوارع.
قبل أن يتعلم النموذج، قد يقوم بشر بوضع علامات حول آلاف أو ملايين الصور:
«إنسان».
«سيارة».
«دراجة».
«إشارة مرور».
وفي نموذج لغوي، قد يطلب من عامل مقارنة إجابتين واختيار الأفضل، أو تقييم ما إذا كانت الإجابة آمنة، أو تحديد وجود خطاب كراهية أو محتوى عنيف.
وفي أنظمة أخرى قد يكون العمل:
نسخ تسجيل صوتي، وتصنيف لهجة، ومراجعة ترجمة، وتحديد مشاعر، وتنظيف بيانات، وتقييم نتيجة بحث.
هذه الأعمال الصغيرة حين تتكرر ملايين المرات تصبح جزءًا أساسيًا من بناء النظام.
لماذا يسمى العمل «غير مرئي»؟
لأن المستخدم النهائي يرى المنتج: النموذج.
لكنه لا يرى سلسلة الأشخاص والمؤسسات والمتعاقدين الذين ساعدوا على تكوين بياناته وتحسين سلوكه.
ويصف مؤتمر INDL-9 هذه الطبقة بأنها جزء حاسم لكنه كثيرًا ما يُهمل عند مناقشة صناعة الذكاء الاصطناعي، وتشمل العاملين في وسم البيانات وتصنيفها ومراجعة المحتوى ومعايرة الاستجابات وفرز المواد السامة أو الضارة.
قضية عمل لائق وليست قضية تقنية فقط
عندما تصبح البيانات مادة خام لصناعة تقدر بمليارات الدولارات، تظهر أسئلة تقليدية من عالم العمل:
كم يحصل العامل؟
هل لديه عقد واضح؟
من يدفع مقابل وقت التدريب؟
ماذا يحدث إذا أغلقت المنصة حسابه؟
هل يستطيع الاعتراض على تقييم خوارزمي لأدائه؟
من يحميه إذا كان مطلوبًا منه يوميًا مشاهدة محتوى عنيف أو مؤذٍ لتصنيفه؟
ومن يتحمل المسؤولية إذا كانت الشركة المطورة للنموذج في دولة، ومزود البيانات في دولة ثانية، والعامل في دولة ثالثة؟
هذه بالضبط النقطة التي تجعل «سلسلة توريد AI» موضوعًا تنمويًا واجتماعيًا وليس تقنيًا فقط.
من يصنع قيمة الذكاء الاصطناعي؟
أحد الأسئلة الأساسية للمؤتمر يتعلق بكيفية توزيع القيمة عبر سلسلة التوريد.
فالشركات المطورة للنماذج ومشغلو البنية التحتية والمستثمرون يحصلون على جزء واضح من القيمة الاقتصادية.
لكن العامل الموجود في أدنى السلسلة قد يحصل على أجر مقابل المهمة دون أن يمتلك حصة في القيمة التي تنتجها البيانات التي ساهم في بنائها.
وهذا يفتح نقاشًا حول ما إذا كانت الكفاءة المنخفضة التكلفة لبعض أنظمة AI تقوم جزئيًا على قوة عاملة عالمية منخفضة الظهور والحماية.
وتشير مواد المؤتمر إلى ضرورة مناقشة الممارسات المسؤولة في شراء البيانات والتعاقد، والتدقيق في الموردين، وما يسمى impact sourcing لضمان ألا تأتي جودة البيانات على حساب كرامة العامل.
يوم كامل خلف كلمة «ذكاء»
يتضمن برنامج المؤتمر جلسات تكشف اتساع القضية.
في 9 سبتمبر يناقش البروفيسور Julian Posada من جامعة Yale تجربة أعمال البيانات في أميركا اللاتينية وكيف تعتمد صناعة AI على العمالة البشرية داخل سلاسل رقمية عالمية تتأثر بتفاوتات اقتصادية واجتماعية.
وفي 11 سبتمبر يناقش Alex Taylor من جامعة Edinburgh التفاصيل الدقيقة لعمل البيانات، وكيف تدخل الأحكام والتقديرات البشرية نفسها في بناء مجموعات البيانات والنماذج.
أين الفرصة السعودية؟
بالنسبة إلى السعودية، يحمل هذا الملف زاوية مختلفة تمامًا عن النقاش التقليدي بشأن «الوظائف التي سيستبدلها الذكاء الاصطناعي».
السؤال الآخر هو:
ما الوظائف التي سينشئها الاقتصاد العالمي للذكاء الاصطناعي؟
مع استثمارات المملكة المتزايدة في مراكز البيانات والنماذج والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يمكن لسلسلة البيانات نفسها أن تصبح قطاعًا اقتصاديًا.
فالسوق يحتاج إلى:
- متخصصي جودة البيانات.
- مراجعي مخرجات النماذج.
- خبراء اللغة العربية ولهجاتها.
- مختصي السلامة الرقمية.
- مراجعي المحتوى.
- خبراء تصنيف البيانات.
- متخصصي التحيز والعدالة الخوارزمية.
- مدققي موردي البيانات.
- مختصي الحوكمة والأخلاقيات.
العربية فرصة بحد ذاتها
كلما توسعت النماذج العربية، ازدادت الحاجة إلى بيانات عربية عالية الجودة.
لكن البيانات العربية ليست كتلة واحدة؛ فهناك اللهجات والسياقات المحلية والمصطلحات المهنية والفروق الاجتماعية والثقافية.
وهذا يعني أن بناء ذكاء اصطناعي يفهم المجتمع السعودي والخليجي لا يحتاج فقط إلى خوادم ومعالجات، بل إلى خبرات بشرية تفهم اللغة والسياق.
وهنا قد تتحول أعمال البيانات من «مهام رقمية هامشية» إلى مسار مهني منظم إذا صُممت له معايير واضحة للأجور والتدريب والحقوق المهنية.
فرصة للقطاع غير الربحي أيضًا
الزاوية الأهم تنمويًا هي إمكانية دخول القطاع غير الربحي والمؤسسات الاجتماعية في هذه السلسلة.
يمكن، على سبيل المثال، تطوير برامج تدريب رقمي لفئات تحتاج إلى فرص عمل مرنة، بشرط ألا تتحول المرونة إلى باب للأجور المنخفضة أو العمل غير المحمي.
كما يمكن للجمعيات والمؤسسات التدريبية بناء مهارات في:
التصنيف، والتدقيق، والتحقق من جودة البيانات، والمراجعة العربية، والوسم، وتقييم المحتوى.
وهكذا يصبح السؤال:
هل يمكن تحويل جزء من سلسلة توريد AI إلى وظائف رقمية لائقة بدل الاكتفاء بوصفها «مهام صغيرة»؟
خمسة أسئلة لصانعي السياسات
مع توسع هذه الصناعة، تبرز خمسة ملفات تنظيمية:
الأجر:
هل يتناسب مع الوقت الفعلي المطلوب لأداء المهمة؟
العقد:
هل يعرف العامل الجهة التي يعمل لصالحها وحقوقه؟
السلامة النفسية:
كيف تتم حماية مراجعي المحتوى العنيف أو الصادم؟
الشفافية الخوارزمية:
هل يستطيع العامل الاعتراض إذا خفض نظام آلي تقييمه أو منعه من العمل؟
المسؤولية عبر الحدود:
أي قانون يحمي عاملًا يعمل لمنصة عالمية من دولة أخرى؟
معيار جديد للذكاء الاصطناعي المسؤول
عادة ما تقاس مسؤولية AI من خلال:
الخصوصية، والتحيز، والشفافية، وسلامة المستخدم.
لكن مؤتمر جنيف يضيف بُعدًا آخر:
كيف عومل الإنسان الذي ساعد على صناعة النظام نفسه؟
فلا يكفي أن يكون النموذج النهائي مسؤولًا إذا كانت سلسلة إنتاجه قائمة على ظروف عمل غير عادلة.
«كلما بدا الذكاء الاصطناعي أكثر آلية، أصبح من المهم أن نسأل عن البشر الذين جعلوا هذه الآلية ممكنة».
السؤال الذي يستحق المتابعة
ربما لن يكون مستقبل العمل مع الذكاء الاصطناعي قصة «إنسان ضد آلة».
القصة الأكثر دقة قد تكون:
إنسان يعمل داخل الآلة، وإنسان يعمل معها، وإنسان يعيد تصميم العمل حولها.ومن هنا تصبح القضية القادمة ليست فقط عدد الوظائف التي سيغيرها AI، وإنما نوعية الوظائف التي ستنشأ حوله، ومن سيحصل عليها، وتحت أي شروط.






