المقالات

من ذاكرة القرية: حين كانت العادات القبلية مدرسةً للتعاون والتكافل

في زمنٍ مضى، كانت القرية في بلاد غامد و زهران أكثر من مجرد بيوتٍ متجاورة؛ كانت أسرةً كبيرة، تجمع أهلها روابط قوية من التعاون والتكافل، وتحكم بينهم عادات وتقاليد لم تكن مجرد ممارسات موروثة، بل كانت في كثير من جوانبها نظامًا اجتماعيًا متكاملًا يحفظ للقرية تماسكها، ويعلّم أبناءها معنى المسؤولية والانتماء.

ومن المؤسف أن بعض ما يُتداول اليوم من محتويات عبر وسائل التواصل وغيرها قد يسلط الضوء على بعض المظاهر والعادات، بينما يغفل جوانب إيجابية كثيرة من ذلك التراث الذي يستحق أن يُعرّف به الجيل الجديد؛ حتى يدرك الأبناء أن في ماضي آبائهم وأجدادهم صورًا مشرقة من التعاون والانضباط والعمل الجماعي.

ومن أبرز تلك العادات الحمى القبلي أو حمى القرية؛ وهو مكان يُخصص ولا يُسمح بالرعي فيه أو الاحتطاب أو أخذ الحشائش منه إلا وفق ما تقرره الجماعة. وكان لهذا النظام احترامه والتزامه، ومن صور التنظيم أن البداية عند فكة الحمى تُطلق طلقة نارية إيذانًا ببدء السماح، ثم تطلق أخرى عند انتهاء الوقت المحدد، فيلتزم الجميع بذلك دون حاجة إلى أنظمة مكتوبة أو جهات رقابية.ومن يخالف. يعزر بمعنى يعاقب بمبلغ مالي او نحوه

وهذا في حد ذاته نموذج جدير بالتأمل؛ فقد كانت الجماعة تعرف حقوقها وواجباتها، وتحافظ على مواردها، وتدرك أن المحافظة على ما تملكه القرية مسؤولية مشتركة.

التعاون في الأفراح والزواجات

ومن أجمل ما بقي في الذاكرة التعاون في مناسبات الزواج والأفراح. فلم يكن الزواج شأنًا يخص أهل العريس والعروس وحدهم، بل كان مناسبة تشترك فيها القرية بأكملها.

كان للرجال دور، وللنساء دور، وللكبار والصغار أدوارهم التي يشاركون بها بحسب أعمارهم وقدرتهم.

حتى الأطفال كانوا يشعرون بأن لهم مكانًا في هذه المناسبة. وكنا ونحن صغار نشارك في بعض الأعمال البسيطة، ومنها وضع علامات أو رموز على الصحون وأباريق القهوة والشاي وفناجيل القهوة والشاي، حتى يُعرف كل شيء إلى من يعود بعد انتهاء المناسبة.وكذلك صب القهوة والشاي

قد يبدو هذا العمل بسيطًا في نظر البعض اليوم، لكنه في ذلك الوقت كان جزءًا من منظومة اجتماعية تقوم على التعاون، والمحافظة على ممتلكات الناس، وتحمل المسؤولية منذ الصغر.
توفير الماء

ومن صور التعاون التي تستحق أن تُوثق كذلك ما كان يقوم به أصحاب السواني وهم الذين يتولون جلب الماء من البئر.

ففي يوم الزواج، كان صاحب «السانية » أو من عليه دور جلب الماء يوقف دوره المعتاد ويخصصه لخدمة أهل المناسبة، حتى يتم توفير ما يحتاجه الزواج من الماء.

وهنا تظهر قيمة جميلة جدًا: أن الإنسان كان يقدم جزءًا من وقته وجهده لخدمة غيره، دون أن ينتظر مقابلًا ماديًا، لأن المناسبة مناسبة الجميع، وفرحة الفرد فرحة الجماعة.

الطبخ عمل جماعي

أما إعداد الطعام، فكان قصة أخرى من قصص التعاون.

لم تكن هناك المطابخ وقاعات المناسبات التي نعرفها اليوم، بل كانت الوجبات تُعد داخل القرية، ويشارك في إعدادها أبناء القرية ونساؤها.

وكان إعداد الطعام للضيوف عملاً جماعيًا يمتد إلى الوجبات المختلفة، وقد تكون ثلاث أو أربع وجبات بحسب المناسبة وعدد الحضور.

فالنساء يقمن بما عليهن من إعداد وتجهيز وطبخ، والرجال يقومون بما يخصهم من أعمال، وكل شخص يعرف دوره، والجميع يعمل لهدف واحد: أن تخرج المناسبة بصورة تليق بأهلها وضيوفها.

الخيام والمنازل المفتوحة

ومن الصور التي تستحق أن يتذكرها الجيل الجديد أن الأفراح لم تكن مرتبطة بقصور أفراح أو مواقع مجهزة كما هو الحال اليوم.

كانت المنازل تُفتح للناس، وكانت الخيام تُنصب عند الحاجة، ويجتمع فيها أهل القرية وضيوفهم.

لم يكن الإنسان بحاجة إلى مظاهر كثيرة حتى يشعر بالفرح؛ كانت قيمة المناسبة في اجتماع الناس، ووقوفهم مع صاحبها، ومشاركتهم له فرحته.

كان المنزل مكانًا للفرح، والخيمة مكانًا للاجتماع، والقرية كلها تشعر بأن لديها مناسبة تستحق المشاركة.

ماذا نريد أن نورث أبناءنا؟

ليس المقصود من استحضار هذه الذكريات الدعوة إلى العودة إلى كل تفاصيل الماضي، فلكل زمن ظروفه ووسائله، ولا شك أن الحياة تغيرت وتطورت.

لكن المطلوب هو ألا نفقد القيم الجميلة التي كانت وراء تلك العادات.

نريد أن يعرف أبناؤنا أن من تراث قريتهم أشياء تستحق الفخر والتوثيق:

التعاون، والتكافل، واحترام النظام، والمحافظة على الموارد، وخدمة الجار، ومساعدة صاحب المناسبة، وإشراك الصغير قبل الكبير في خدمة المجتمع.

هذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجيل الجديد عندما نستعرض ماضي آبائنا وأجدادنا.

فليس التراث مجرد أهازيج أو ملابس أو صور أو مظاهر احتفالية؛ التراث أيضًا قيم وسلوك ونظام اجتماعي وتجارب إنسانية.

ولعل المقاطع التي تُنشر اليوم تحت مسميات مختلفة تكون أكثر فائدة إذا أعادت إلى الأذهان هذه الجوانب المضيئة من حياة القرية، وعرّفت الأبناء كيف كان المجتمع متماسكًا، وكيف كان كل فرد يشعر أن له دورًا، صغيرًا كان أم كبيرًا.

إن توثيق الماضي ليس مجرد حنين إليه، وإنما هو تعريف للأجيال الجديدة بجذورها، وإبراز لما كان في مجتمعنا من قيم إيجابية يمكن أن تبقى حاضرة حتى وإن تغيرت الوسائل.

فقد تتغير البيوت، وتتغير وسائل الفرح، وتتغير الحياة كلها، لكن قيمة التعاون إذا بقيت، بقي معها شيء جميل من روح القرية القديمة.

اللواء م. يحيى بن مساعد الزهراني

‏• مستشار الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة • مدير شرطة منطقة نجران سابقا ‏• قائدالقوة الخاصة لأمن وسلامة المسجد الحرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى