لم أكن أتخيل عندما بدأت رحلتي المهنية قبل خمسة وثلاثين عاماً أنني سأصل يوماً إلى محطة التقاعد وأنا أشعر أنني ما زلت في بداية الطريق. يقال إن السنوات الطويلة تمر بطيئة ونحن نعيشها، ثم نكتشف بعد أن تمضي أنها مرت سريعاً كالبرق. ولعل الإنسان لا يدرك سرعة الزمن إلا عندما يقف فجأة أمام محطة لم يكن يتخيل أنها ستأتي بهذه السرعة. واليوم، وأنا على أعتاب التقاعد خلال الفترة القادمة، أجد نفسي أتأمل خمسة وثلاثين عاماً لم تكن مجرد سنوات عمل، بل كانت رحلة من العمل والتعلم والعطاء. خمسة وثلاثون عاماً! حين أنظر إلى الرقم أشعر أنه كبير جداً، وحين أنظر إلى ما مضى من العمر المهني أشعر أنه كان بالأمس. ورغم طول هذه الرحلة، لا أشعر أنني أودّع العمل بقدر ما أشعر أنني أقف على عتبة تجربة جديدة، وكأنني طفل يتأمل عالماً لم يدخله من قبل. فالخبرة، كما تعلمت، لا تعني أنك توقفت عن التعلم، بل ربما تعني أنك أصبحت أكثر إدراكاً لحجم ما لا تعرفه.
بدأت رحلتي الأكاديمية بدراسة البكالوريوس في الإدارة العامة، ثم الدبلوم العالي في إدارة المكاتب، فالماجستير في الإدارة العامة، ثم الدكتوراه في علم الاجتماع. ومع مرور السنوات اكتشفت أن هذا التنوع الأكاديمي لم يكن متفرقاً كما يبدو؛ فقد وجد صداه في مسيرتي المهنية، التي تنقلت خلالها بين الإدارة المكتبية، والإدارة العامة، والسلوك التنظيمي، إلى جانب رئاسة عدد من الإدارات والأقسام في فترات مختلفة. أصبحت أرى أن هذه المجالات متداخلة؛ فالإدارة المكتبية تعلمني كيف تسير الأعمال، والإدارة العامة تعلمني كيف تعمل المنظمة، والسلوك التنظيمي يقربني من فهم ما يحدث داخلها من تفاعلات وصراعات ودوافع، بينما منحني علم الاجتماع زاوية أوسع لفهم الإنسان وعلاقته بالآخرين وبالمؤسسات التي يعمل فيها.
لكن المعرفة الحقيقية لم تأتِ من الدراسة وحدها. ففي قاعات التدريب تعلمت أكثر مما كنت أتوقع أن أتعلم. كان المشاركون يأتون من مختلف الأجهزة الحكومية المدنية والعسكرية، ويحمل كل واحد منهم تجربة مختلفة وبيئة عمل مختلفة ومواقف مختلفة. كنت أدخل القاعة لأقدم المعرفة، فأخرج منها وقد حصلت على معرفة جديدة. ومع مرور السنوات اكتشفت أن المدرب لا يملك المعرفة وحده؛ ففي القاعة عشرات الكتب الحية، يحمل كل مشارك منها فصلاً من فصول التجربة المهنية والإنسانية. تعلمت من موظف واجه مديراً صعباً، ومن مدير عجز عن التعامل مع موظف صعب، ومن فريق اختلف أعضاؤه حول قرار، ومن موظف أنهكته ضغوط العمل، ومن آخر وجد نفسه أمام تعليمات متعارضة.
ولهذا كانت قاعات التدريب بالنسبة لي معملاً مخبرياً حياً؛ أرى فيها النظريات التي قرأتها في الكتب وهي تتحول إلى مواقف حقيقية، وأختبر فيها ما تعلمته أكاديمياً أمام تجارب بشرية لا يمكن لكتاب أن ينقلها بكل تفاصيلها. أما العمل الاستشاري، فقد فتح لي باباً آخر من أبواب التعلم. فقد أتاح لي أن أدخل إلى مؤسسات مختلفة، وأرى عن قرب ما كنا نسمعه ونقرأ عنه. رأيت كيف يمكن لإجراء بسيط أن يتحول إلى سلسلة طويلة من الخطوات والموافقات، وكيف يمكن أن تتضخم الهياكل التنظيمية حتى يصبح التنظيم نفسه جزءاً من المشكلة. ورأيت أنواعاً مختلفة من الصراعات والنزاعات في بيئات العمل؛ بعضها يبدأ بسبب قرار، وبعضها بسبب سوء فهم، وبعضها بسبب تضارب المصالح، وبعضها نتيجة تراكمات إنسانية لم تجد طريقها إلى الحل. ورأيت موظفين يحملون فوق أكتافهم ضغوطاً حقيقية، ويحاولون الاستمرار في أداء أعمالهم رغم كثرة الأعباء والتوقعات والمتطلبات.
وفي مؤسسات كثيرة، لم تكن المركزية مجرد مفهوم إداري نناقشه في الكتب؛ كانت عجلة يدور حولها القرار والعمل. كلما حاولت عجلة العمل أن تتحرك، عادت إلى مركزها تنتظر قراراً أو توقيعاً أو موافقة. ومن هنا تعلمت أن إصلاح المؤسسات لا يبدأ دائماً من تغيير الهياكل أو إصدار اللوائح، وإنما يبدأ أحياناً من سؤال بسيط: هل صممنا إجراءات العمل لخدمة الإنسان، أم جعلنا الإنسان يخدم الإجراءات؟ ولم يكن المشاركون في البرامج التدريبية وحدهم معلميّ في هذه الرحلة؛ فقد تعلمت أيضاً من زملائي في المعهد، من المدربين والإداريين، ومن الذين سبقوني في العمل وكانوا يحملون خبرات تراكمت عبر سنوات طويلة، كما تعلمت ممن جاءوا بعدي. فقد اكتشفت أن الدروس لا ترتبط بعمر الإنسان ولا بعدد سنوات خدمته. قد تتعلم من زميل أمضى عقوداً في المهنة، وقد تتعلم من زميل بدأ عمله بالأمس. وقد يعود زميل من بعثة علمية، وربما لم يدخل قاعة التدريب بعد، ثم يجلس معك في حديث عابر فيروي لك موقفاً حدث له أثناء بعثته. قد تبدو الحكاية مجرد موقف شخصي، لكنها قد تحمل فكرة تستحق التأمل، فتحولها إلى حالة دراسية تناقشها مع المتدربين في محاضرتك القادمة.
وهكذا يتحول موقف عابر إلى معرفة، وتجربة شخصية إلى مادة تعليمية، وحكاية في حديث الزملاء إلى درس يستفيد منه الآخرون. وهذا من أجمل ما تعلمته: أن المعرفة لا تسكن دائماً في الكتب؛ أحياناً تأتيك في حديث عابر من زميل، أو موقف مرّ به، أو سؤال طرحه متدرب. ولذلك، إذا كان لي أن أقول إنني علّمت خلال خمسة وثلاثين عاماً، فالحقيقة أنني تعلّمت أكثر مما علّمت. تعلمت من المتدربين والزملاء والمديرين والموظفين، ومن كل موقع توليت مسؤوليته وكل مؤسسة دخلتها، ومن النجاحات والإخفاقات، ومن المواقف التي لم تكن في أي كتاب، لكنها بقيت في الذاكرة أكثر من كثير مما قرأته في الكتب. وخلال هذه الرحلة تغيرت أشياء كثيرة: المؤسسات، وأنظمة العمل، والتقنيات، وأجيال الموظفين، بل حتى طريقة تفكير الناس في العمل والوظيفة والقيادة. لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً: الإنسان. فالأنظمة قد تتغير، والتقنيات قد تتطور، والذكاء الاصطناعي قد يدخل إلى تفاصيل كثيرة من حياتنا المهنية، لكن الإنسان سيظل بحاجة إلى التقدير والإنصاف والاحترام والاستماع، وإلى الشعور بأن لعمله معنى.
ولعل هذه هي الخلاصة الأهم التي خرجت بها بعد خمسة وثلاثين عاماً: الإدارة ليست لوائح وهياكل وإجراءات فقط؛ الإدارة في جوهرها تعامل مع البشر. لقد علّمني العمل أن الموظف الذي نراه متذمراً قد يكون متعباً، والذي نراه مقاوماً للتغيير قد يكون خائفاً من المجهول، والذي نراه ضعيف الأداء قد تكون وراءه مشكلة لا نعرفها. ولذلك أصبحت أكثر حذراً في إصدار الأحكام على الآخرين. فالعمل الطويل لا يمنحك الخبرة فقط، بل يفترض أن يمنحك شيئاً أهم: التواضع. كلما تعلمت أكثر، أدركت أنني لا أعرف إلا جزءاً صغيراً من الصورة.
والآن، وأنا أقف على أعتاب التقاعد، لا أريد أن أعدّ ما أنجزته فقط، بل أتساءل: ماذا تركت؟ هل تركت فكرة نافعة في ذهن متدرب؟ هل ساعدت موظفاً على فهم نفسه أو زميله أو مديره؟ هل أسهمت، ولو بقدر بسيط، في تحسين إجراء أو تطوير أداء أو حل مشكلة؟ هذه الأسئلة بالنسبة لي أهم من عدد البرامج التي قدمتها أو عدد الساعات التي قضيتها في القاعات. فالإنسان في نهاية رحلته المهنية لا يحمل معه عدد الاجتماعات ولا الملفات ولا التواقيع، وإنما يحمل أثره في الآخرين.
وربما تكون اللحظة الأكثر تأثيراً حين أصل إلى بوابة المعهد في آخر يوم عمل، وأدرك أنني سأمر منها للمرة الأخيرة موظفاً. كم مرة عبرت هذه البوابة خلال خمسة وثلاثين عاماً؟ دخلتها في صباحات أحمل فيها أفكاراً لبرنامج تدريبي، وخرجت منها بعد يوم طويل من التدريب، وعبرتها وأنا متجه إلى مؤسسة أقدم لها استشارة، أو عائداً منها محمّلاً بتجربة جديدة. كم وجهاً مرّ من أمامي عند هذه البوابة؟ وكم قصة بدأت من داخلها؟ وكم درساً تعلمته بين جدران هذا المعهد؟ وربما لن تتوقف عندها سيارتي طويلاً في ذلك اليوم، ولن يسمع أحد صوتاً يقول: “هذه هي المرة الأخيرة”. سأغادر بهدوء كما غادرتها مئات المرات من قبل، لكنني هذه المرة سأعرف أن العلاقة بيني وبين هذه البوابة قد تغيرت. سألتفت إليها للحظة، لا لأودع مبنى أو مكاناً، وإنما لأستحضر خمسة وثلاثين عاماً من العمر المهني الذي تختصره تلك البوابة في ذاكرتي.
سأخرج منها متقاعداً، لكنني لن أخرج منها خالي الوفاض. سأحمل معي وجوه زملاء، وذكريات متدربين، وتجارب مستشار، وأسئلة باحث، ودروساً كثيرة تعلمتها من الناس أكثر مما تعلمتها من الكتب والحقائب التدريبية. وعندما تتوارى البوابة خلفي، لن أقول: انتهت الرحلة، بل سأقول: انتهى فصل منها. فما زلت أريد أن أتعلم، وأن أستفيد، وأن أفيد، وأن أنقل ما اكتسبته خلال هذه السنوات الطويلة إلى من يحتاج إليه. سأغادر بوابة المعهد أكبر سناً، لكنني سأظل طفلاً على أعتاب مرحلة جديدة؛ طفلاً يحمل في حقيبته خمسة وثلاثين عاماً من المعرفة والخبرة والتجارب، لكنه لم يفقد فضول التعلم، ولا رغبة العطاء. فالتقاعد قد يغيّر الصفة الوظيفية، لكنه لا ينبغي أن يغيّر شغف الإنسان بالتعلم والعطاء. تلك ليست نهاية الرحلة… بل بداية فصل جديد منها.

