المقالات

المناسبات: من الوناسة إلى الهندسة

كثيرًا ما يسألني بعض الزملاء والأصدقاء: ما علاقة التخطيط والهندسة المعمارية بالمناسبات والفعاليات والترفيه؟ فالمناسبة في نظر كثير منا قد تكون معرضًا، أو مؤتمرًا، أو مباراة، أو احتفالًا، أو موسمًا للترفيه و«الوناسة». لكن خلف ما يراه الضيف ويستمتع به منظومة من التخطيط والتصميم والمرافق والخدمات والتنظيم والتشغيل.
والمناسبة ليست بالضرورة حدثًا ضخمًا؛ فقد تكون اجتماعًا عائليًا، أو حفل زواج، أو عزاءً، وقد تكون مؤتمرًا أو مهرجانًا أو مباراة، وقد تكبر حتى تصل إلى إكسبو، أو كأس العالم لكرة القدم، أو موسم الحج. ورغم اختلاف الحجم والغرض والتعقيد، فإن كثيرًا من مكونات المناسبة ومبادئ تخطيطها وعوامل نجاحها تظل مشتركة.
بدأت رحلتي العلمية بدراسة التخطيط والهندسة المعمارية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ثم الماجستير في هندسة وإدارة التشييد، قبل حصولي عام 1997م على الدكتوراه من جامعة ستراثكلايد في غلاسكو، اسكتلندا، المملكة المتحدة، في مجال هندسة وتخطيط وإدارة المرافق والخدمات، مع التركيز على المناسبات الكبيرة والحج. كما شاركت خلال مسيرتي المهنية في تخطيط وتنفيذ عدد من المشاريع في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة؛ تلك الأماكن المباركة التي تستضيف على مدار العام أعظم المناسبات وأشرف الضيوف.
ومن النتائج المهمة التي توصلت إليها في أطروحة الدكتوراه أن نجاح المناسبة، من منظور المشاركين فيها، يرتبط بعاملين رئيسيين: برنامج المناسبة، والمرافق والخدمات المقدمة والمتاحة لها. وهما عاملان مترابطان؛ فالبرنامج يحدد بدرجة كبيرة نوع المرافق والخدمات المطلوبة، كما قد تؤثر إمكانات المكان وطاقته في البرنامج نفسه.
وتبرز هنا خصوصية الحج؛ فبرنامجه توقيفي تعبدي، ولا يمكن تغييره إلا في حدود المتاح شرعًا. ومن ثم يرتبط جانب أساسي من نجاح موسم الحج بتوافر المرافق والخدمات المطلوبة وتكاملها، بما يلبي احتياجات الإنسان في المكان والزمان المحددين.
وقد شكّل هذا الاستنتاج منطلقًا لسؤال رافقني عبر السنوات: كيف نخطط المكان ونصممه ونبنيه ونشغله لكي يلبي احتياجات الإنسان في الزمن المطلوب؟ وكيف نحول ما نستثمره من أصول وموارد إلى خدمات ونتائج وقيمة؟
وتكتسب هذه الأسئلة اليوم أهمية متجددة مع ما تشهده المملكة العربية السعودية من توسع في استضافة وتنظيم المناسبات والأحداث العالمية، من المعارض والمؤتمرات والفعاليات الرياضية والترفيهية وسباقات الفورمولا، إلى إكسبو الرياض 2030 وكأس العالم لكرة القدم 2034. وهي خبرة تمتد في بلادنا لعقود طويلة من خلال مواسم الحج والعمرة والزيارة.
ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى تخطيط وهندسة المناسبات بوصفه مجالًا متكاملًا ومتعدد الأبعاد. فالمناسبة ليست مجرد مكان وبرنامج وتشغيل؛ بل منظومة تتداخل فيها أبعاد اجتماعية واقتصادية وثقافية وبيئية وإعلامية، إلى جانب الأبعاد التخطيطية والهندسية والإدارية والخدمية، وقد تكتسب أبعادًا سياسية في بعض المناسبات الكبرى.
وفي أبسط صورة، يمكن النظر إلى المناسبة من خلال ثلاثة أبعاد أساسية: الإنسان، والمكان، والزمان، يجمع بينها غرض وبرنامج للمناسبة. وقد يكون مسرح الحدث غرفة لاجتماع عائلي، أو قاعة لحفل زواج أو مؤتمر، أو ملعبًا، أو موقع معرض، وقد يتسع حتى تصبح منطقة أو مدينة بأكملها جزءًا منه.
ولذلك فإن تخطيط مسرح الحدث لا يبدأ بالمبنى وحده، وإنما يبدأ بالإنسان: من سيستخدم المكان؟ ماذا يحتاج؟ أين ومتى؟ وما المرافق والخدمات والقدرات اللازمة لتلبية تلك الاحتياجات؟
كما أن بناء المنشآت وحده لا يكفي. فقد يكون لدينا مبنى متميز أو ملعب متطور أو محطة ضخمة، ومع ذلك لا نحصل بالضرورة على خدمة جيدة. فالأصول تحتاج إلى الإنسان والتنظيم والتشغيل والمعرفة والتقنية والتنسيق لكي تتحول إلى قدرة فعلية على تقديم الخدمة.
ويمكن تلخيص الفكرة في مسار بسيط:
الأصول والموارد ← القدرة على تقديم الخدمة ← الخدمة الفعلية ← النتائج ← القيمة
وهنا يتغير السؤال من: ماذا بنينا؟ إلى: ماذا مكّننا ما بنيناه من أن نفعل؟ وما الخدمة التي قدمناها؟ وما النتائج والقيمة التي حققناها لمتلقي الخدمة ومقدمها والمجتمع؟
ويلخص الإنفوجرافيك المصاحب هذا التصور، بدءًا من الإنسان والمكان والزمان، ومرورًا بالأصول والموارد والقدرة على تقديم الخدمة، وصولًا إلى النتائج والقيمة والإرث المستدام.
[يرفق الإنفوجرافيك المصاحب]
وتؤدي التقنية والبيانات والذكاء الاصطناعي دورًا متزايد الأهمية في هذه المنظومة، لكنني أراها وسائل تمكين وليست غاية في ذاتها. فقيمتها تظهر عندما تساعدنا على فهم الاحتياجات، والتنبؤ بالطلب، وتحسين استخدام الموارد، ورفع كفاءة الخدمات وفعاليتها.
كما أن التفكير في المناسبة لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء أيامها. فمن المهم منذ مرحلة التخطيط التفكير في الأصول الدائمة والمرنة والمؤقتة، وفي كيفية الاستفادة منها بعد الحدث. فالنجاح لا يقاس فقط بعدد الحضور أو بما يحدث أثناء المناسبة، وإنما أيضًا بما تتركه من قيمة للإنسان والمدينة والمجتمع.
وتأتي هذه الكتابات امتدادًا لمسار علمي ومهني أعمل على جمع عناصره وتأصيلها تحت عنوان «تخطيط وهندسة المناسبات: من الأصول إلى القيمة، نموذج د. سامي برهمين». وغايتها الإسهام في التوعية والتثقيف بهذا المجال، ونقل المعرفة والخبرة المتراكمة فيه، وفتح مجالات لمزيد من البحث والتطوير، إلى جانب التعريف بما تتيحه صناعة المناسبات من فرص للعمل والاستثمار والابتكار.
وسأتناول في مقالات لاحقة، بإذن الله، بعض جوانب هذا المجال، ومنها تخطيط وتصميم مسارح الحدث، والعلاقة بين البرنامج والمكان والخدمات، وإدارة طاقات الذروة، وتحويل الأصول إلى قدرات خدمية، ودور التقنية والذكاء الاصطناعي، وقياس القيمة التي تحققها المناسبة وما يبقى منها بعد انتهائها.
فالهدف ليس تعقيد «الوناسة» بالهندسة، وإنما فهم ما وراء المناسبة من تخطيط وهندسة وخدمات تجعلها ممكنة وناجحة، وتحول ما نستثمره فيها إلى قيمة.
وأتطلع إلى التفاعل الإيجابي والملاحظات البناءة من المختصين والممارسين والمهتمين، بما يثري الفهم ويسهم في الارتقاء بتخطيط وهندسة وخدمات المناسبات.

د.م. سامي ياسين برهمين

باحث مستقل | مهندس مستشار | خبير في التخطيط وإدارة المرافق والخدمات والمناسبات الكبرى

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. ما شاء الله لا قوة الا بالله
    خبرة علمية وعملية وكفاءة محلية نفتخر ونفاخر بها
    وفقك الله دكتورنا الفاضل وحفظك ونفع بك

  2. المناسبة صناعة قيمة ذات مردود اقتصادي واجتماعي وسياسي تحرص عليه كثير من الامم. وبقدر نجاحها في تصميم وتنفيذ تلك المناسبات صغيرها وكبيرها ينتعش اقتصادها وتزداد فرص عمل ابناؤها وبناتها.
    وتجويد تلك المناسبات وتعظيم مردودها، يتطلب تجويد جميع مكونات برنامجها. وتساعد التقنيات الحديثة لتخطيط وتنظيم تلك الانشطة بكامل تفاصيلها.

    وهنا تبرز اهمية وضع منصة لتصميم “برامج متعددة لاداء الحج بالفرص الفقهية”، تستفيد من التباين بين اوقات بدء ونهاية اداء مناسك الحج، وفقا لاقوال الفقهاء بالمذاهب الشرعية، لتوزيع الزحام على معظم الوقت الشرعي المتاح،

    وبالتالي استخدام نفس المكان عدة مرات لافواج متعاقبة من الحجاج، فتزداد الاستيعابية، وتدار الحشود بطريقة آمنة مريحة.

    وباتاحة الحجز قبل ٥ سنوات عل تلك البرامج وتأكيد تفاصيلها قبل ٣ سنوات، ثم التأكيد النهائي بكامل التفاصيل وفقا لحجز الحاج،
    ليكون اصدار تأشيرة الحج اخر اجراء تنظيمي، وهو ضمان توفر كافة متطلبات نقل وسكن واعاشة وايواء وتفويج الحجاج. ولانها تمت من خلال الحجز المسبق بعدة سنوات قبل موسم الحج، فان مقدمي الخدمة يكونون على بينة بالطلب الحقيقي نوعا وكما وزمنا ومكانا، فيستطيعون تجهيز وحتى بناء ما ينقص من مرافق عليها حجز فعلي مدفوع قيمتها مسبقا.
    ومن خلال مؤشرات الاداء، يتم تطوير تلك البرامج المتعددة، وزيادة استيعابها او تخفيضها وفق الاقبال عليها والتزام حجاجها ببرنامجها وتفويجها. ويساعد مقدمي الخدمات كثيرا وجود “مركز تكامل خطط تشغيل الخدمات والمرافق بالحج والعمرة”، ليحصل كل طرف على الممكنات والمتطلبات اللازمة له لتجويد تقديم خدمته بادنى تعارض او تقاطع مع خطط الاخرين.

  3. *تعليق على مقال استاذنا القدير الدكتور سامي برهمين*

    يقدّم أستاذنا الدكتور سامي ياسين برهمين في هذا المقال طرحًا فكريًا رصينًا يكسر النظرة السطحية لمفهوم “المناسبة”، ليضعها في إطارها العلمي الصحيح بوصفها منظومة متكاملة من التخطيط والهندسة والخدمات. وتكمن قوة المقال في قدرة أستاذنا القدير على المزج بين الخلفية الأكاديمية العميقة – التي تمتد من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن إلى الدكتوراه من جامعة ستراثكلايد – وبين خبرته العملية المتراكمة في مشاريع مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، مما أضفى على الطرح مصداقية ووزنًا معرفيًا نادرًا.

    يُحسب لأستاذنا أسلوبه السلس في تبسيط مفاهيم معقّدة، كتحويله لفكرة “الأصول والموارد” إلى “قيمة” عبر مسار منطقي واضح (الأصول ← القدرة على الخدمة ← الخدمة الفعلية ← النتائج ← القيمة)، وهو تسلسل يعكس عمق فهمه لعلم إدارة المرافق والخدمات. كذلك يستحق الثناء ربطه الذكي بين خصوصية الحج التعبدية وضرورة تكامل المرافق والخدمات، وهو استنتاج علمي دقيق مستمد من أطروحته.

    كما يُلاحظ أن الدكتور استشرف بذكاء أهمية هذا المجال في ظل استضافة المملكة لمناسبات عالمية كإكسبو 2030 وكأس العالم 2034، دون أن يغفل الإشارة إلى دور التقنية والذكاء الاصطناعي كوسائل تمكين لا كغايات.

    بمجمله، مقال ثري، متزن بين الأكاديمية والتطبيق، ويبشّر بسلسلة مقالات واعدة تستحق المتابعة.

    *تلميذكم*
    *أبو المنذر*

  4. مقال مميز من الخبير الدكتور سامي برهمين يقدم رؤية هندسية متكاملة وواقعية تربط بين تخطيط المكان وتصميمه وتشغيله من جهة، وبين نجاح المناسبة من جهة أخرى. فالتركيز على تحويل الأصول المادية إلى قدرات خدمية فعلية ثم إلى قيمة مستدامة يمثل جوهر الفكر الهندسي الحديث في إدارة المشاريع الكبرى. ويبرز المقال خصوصية الحج كمثال عملي يؤكد أن نجاح الحدث لا يعتمد على البنية التحتية وحدها، بل على تكامل البرنامج مع الطاقة الاستيعابية والخدمات والتشغيل. كما أن الإشارة إلى الأبعاد الإنسانية والزمنية والمكانية تعكس فهمًا هندسيًا عميقًا لتخطيط الحشود والذروة. ويأتي التأكيد على الإرث المستدام بعد انتهاء المناسبة متوافقًا مع مبادئ الهندسة المستدامة وإدارة الأصول على المدى الطويل. بشكل عام، المقال يؤسس لنهج هندسي منهجي يرفع صناعة المناسبات من مستوى التنظيم التقليدي إلى مستوى التخطيط والهندسة المتكاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى