المقالات

الصين بعين سعودية (2)

بعد نشر مقالي الأول عن الصين، تلقيت ردود فعل مؤثرة من المجتمع الصيني، خاصة بعد أن فتحت حسابا في أحد التطبيقات الصينية. وقد لامست تلك الرسائل قلبي، وأكدت لي أن المجتمع الصيني يقرأ ويتفاعل مع الثقافات الأخرى بكل احترام وانفتاح. كانت كلماتهم تنبض بالمحبة والتقدير للمملكة، وتحمل ترحيبا صادقا بي وبما كتبته. هذا التفاعل الإنساني الجميل عزز قناعتي بأن الثقافات، حين تلتقي باحترام، تبني جسورا أقوى من المسافات الجغرافية.

ومن أكثر ما لفت انتباهي اللغة الصينية، فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل سجل حضاري حيّ يحمل بين رموزه تاريخ أمة عريقة. فدارس اللغة الصينية لا يتعلم الكلمات فحسب، وإنما يقرأ صفحات طويلة من تاريخ الصين وحضارتها. ورغم التطورات الكبيرة التي شهدتها الصين في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي، وما وصلت إليه من مستويات عالمية تنافس كبرى الشركات والبرامج، فإنها لم تتخلَّ عن هويتها الثقافية، بل حافظت عليها وجعلتها جزءًا من مشروعها الحضاري الحديث. وهذه ميزة تستحق التأمل، فهناك دول تتقدم تقنيًا، لكنها تفقد شيئًا من هويتها الثقافية، بينما استطاعت الصين أن تجمع بين الأصالة والحداثة في نموذج جدير بالإعجاب.

وخلال تجوالي في بكين وشنغهاي، لمست الهدوء والانضباط اللذين يميزان المجتمع الصيني، لكنني كنت أرى خلف هذا الهدوء شعبًا يعمل بصمت وإخلاص من أجل نهضة وطنه. لقد كان ذلك درسًا عميقًا في قيمة العمل والانتماء والإخلاص للوطن.

كما كانت تجربة الواقع الافتراضي في الصين من أكثر التجارب التي أثارت إعجابي. فقد سبق أن جربت هذه التقنية في بريطانيا، إلا أن التجربة الصينية كانت أكثر إبداعًا وإبهارًا من حيث جودة التصميم ودقة التفاصيل. لم تكن مجرد مشاهدة رقمية، بل شعرت وكأنني انتقلت عبر الزمن لأعيش الحياة الصينية القديمة، وأتنقل بين القصور والقلاع والأسواق، وأشاهد تفاصيل المجتمع الصيني في ماضيه العريق. لقد نجحت الصين في توظيف أحدث التقنيات لخدمة تاريخها وتراثها، وتعزيز صورتها الذهنية أمام العالم.

ومن هذا المنطلق، أرى أن من المفيد الاستفادة من هذه التجربة في المملكة، من خلال تطوير عروض للواقع الافتراضي تجسد مراحل توحيد المملكة على يد المغفور له – بإذن الله – الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، وتوثق التضحيات الكبيرة التي قدمها الآباء والأجداد حتى تنعم المملكة اليوم بالأمن والاستقرار والازدهار. كما يمكن تصميم أجهزة سهلة النقل تُعرض في المعارض الدولية للتعريف بتاريخ المملكة وثقافتها وإنجازاتها الحضارية. ويعزز هذا التوجه ما تشهده المملكة من اهتمام متزايد بتقنيات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، ومنها الإعلان في 30 يوليو 2025 عن إنشاء قاعدة تدريب مشتركة للواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي في مدينة طويق.

وفي الجانب الاقتصادي، أرى أن رؤية المملكة تتقاطع بصورة كبيرة مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، وأن العلاقات بين الرياض وبكين ينبغي أن تتجاوز مفهوم التبادل التجاري التقليدي إلى شراكة استراتيجية متكاملة. وقد عبر عن هذا التوجه بوضوح مساعد وزير الاستثمار السعودي إبراهيم المبارك، عندما قال في معرض الصين الدولي للاستثمار والتجارة بمدينة شيامن: “لا ندعوكم فقط إلى الاستثمار في المملكة، بل إلى الاستثمار مع المملكة.” وهي رسالة تعكس انتقال العلاقة من مفهوم المستثمر الأجنبي إلى مفهوم الشريك في التنمية وصناعة المستقبل.

وانطلاقا من هذه الرؤية، أقترح إنشاء بنك سعودي صيني مشترك، يكون له حضور في كل من الرياض وبكين، بهدف تسهيل المعاملات المالية، ودعم الاستثمارات المشتركة، وتقديم خدمات مصرفية ميسرة لرجال الأعمال والسياح في البلدين، بما يسهم في تعزيز حركة التجارة والاستثمار.

كما تتمتع المملكة بميزة استراتيجية لا تقل أهمية عن القوة الصناعية الصينية، فهي تقع في قلب العالم، وتربط بين ثلاث قارات، مما يجعلها مركزا لوجستيا عالميا، وبوابة طبيعية للأسواق الآسيوية والأوروبية والأفريقية. ويمكن لهذا الموقع أن يمنح الشركات الصينية فرصة أكبر للوصول إلى الأسواق العالمية عبر إقامة مصانع ومراكز لوجستية داخل المملكة، بما يحقق مصالح مشتركة للطرفين.

ومن خلال تجربتي الشخصية، أود أن أقترح على الجهات المختصة في الصين إضافة اللغة العربية إلى مزيد من التطبيقات الصينية، إذ واجهت صعوبة في استخدام بعض التطبيقات التي لا توفر واجهة باللغة العربية. كما أقترح إضافة خيار في تطبيقات سيارات الأجرة يوضح للسائق أن مستخدم الحساب لا يجيد اللغة الصينية، الأمر الذي يسهل التواصل ويجعل تجربة السائح العربي أكثر راحة وسلاسة.

وفي ختام هذه الرحلة، خرجت بقناعة راسخة بأن الحضارات العظيمة لا تبنى بالتقنية وحدها، ولا بالماضي وحده، وإنما بالتوازن بين الأصالة والتجديد. كما أؤمن بأن الرياض وبكين تمثلان اليوم محورين مهمين في صياغة مستقبل التعاون الاقتصادي والتقني والثقافي، وأن تكامل رؤاهما الاستراتيجية يحمل فرصا واعدة لصناعة مستقبل أكثر ازدهارا واستقرارا لشعبي البلدين، وللعالم بأسره.
ماجستير في العلاقات العامة والاعلام

صالح عبدالحفيظ

ماجستير في العلاقات العامة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى