
لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُقاس بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل أصبحت تُقاس أيضًا بمخزون القمح، واحتياطيات المياه، وسلامة سلاسل الإمداد، وقدرة الدول على توفير الغذاء لشعوبها. فحين يختفي الخبز من الأسواق، أو ترتفع أسعار الغذاء بصورة حادة، تتحول القضية من شأن اقتصادي إلى قضية تمس الاستقرار الوطني والأمن القومي.
ولهذا لم يعد الأمن الغذائي مجرد سياسة زراعية، بل أصبح أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية للدول. ولعقود طويلة، اعتمدت كثير من الدول على الأسواق العالمية لتوفير احتياجاتها الغذائية، مستفيدة من سهولة النقل، وانخفاض الرسوم الجمركية، واستقرار التجارة الدولية. وكان الاعتقاد أن الغذاء سيظل متاحًا دائمًا لمن يستطيع الدفع.
لكن هذا الاعتقاد تعرض لاختبارات قاسية. فقد كشفت جائحة كورونا هشاشة سلاسل الإمداد، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتؤثر في صادرات القمح والذرة والزيوت والأسمدة، وهي سلع تعتمد عليها دول كثيرة. وارتفعت الأسعار عالميًا، وفرضت بعض الدول قيودًا على تصدير منتجاتها الزراعية لحماية أسواقها المحلية، فأصبح الحصول على الغذاء أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
ولم تكن الحروب وحدها سبب الأزمة. فالتغير المناخي بات يلقي بظلاله على الإنتاج الزراعي في مختلف أنحاء العالم. فموجات الجفاف، والفيضانات، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع خصوبة بعض الأراضي، تؤثر في إنتاج المحاصيل، وتزيد من تقلبات الأسعار، وتفرض تحديات جديدة على الأمن الغذائي العالمي.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة (UN) وهي منظمه دوليه من أهدافها التنمية المستدامة – إلى أن عدد سكان العالم قد يقترب من عشرة مليارات نسمة خلال العقود المقبلة، وهو ما يعني زيادة كبيرة في الطلب على الغذاء. وفي المقابل، تتراجع الموارد الطبيعية في كثير من المناطق، وتتزايد الضغوط على المياه والأراضي الزراعية، مما يجعل معادلة الإنتاج أكثر صعوبة.
ولذلك، لم يعد مفهوم الأمن الغذائي يعني الاكتفاء الذاتي الكامل، فذلك قد لا يكون ممكنًا أو اقتصاديًا لكل الدول، بل أصبح يعني ضمان توافر الغذاء بشكل مستمر، وتنوع مصادره، وقدرة الدولة على مواجهة الأزمات دون حدوث نقص أو اضطراب حاد في الأسواق.
ولهذا تتجه الدول إلى بناء مخزونات استراتيجية، وتنويع مصادر الاستيراد، والاستثمار في التقنيات الزراعية الحديثة، والزراعة الذكية، والبيوت المحمية، وتحلية المياه، وتقليل الفاقد الغذائي، باعتبارها أدوات لتعزيز أمنها الغذائي.
كما أن التكنولوجيا أصبحت لاعبًا رئيسًا في هذا المجال. فالذكاء الاصطناعي يساعد في تحسين إدارة المياه، وتحليل البيانات المناخية، والتنبؤ بالإنتاج الزراعي، بينما تسهم الزراعة الدقيقة والطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار في رفع كفاءة الإنتاج وتقليل استهلاك الموارد.
وفي المملكة العربية السعودية، يمثل الأمن الغذائي أحد المحاور الاستراتيجية للتنمية. فقد عملت الدولة على تنويع مصادر استيراد الغذاء، وبناء احتياطيات من السلع الأساسية، والاستثمار في الشركات الزراعية داخل المملكة وخارجها، وتطوير التقنيات الزراعية، وتعزيز كفاءة استخدام المياه، بما يحقق التوازن بين الأمن الغذائي والاستدامة البيئية، وقد أنشأت المملكة الهيئة العامة للأمن الغذائي (GFSA) لتكون الجهة المختصة بالأمن الغذائي بالمملكة والمشرفة على وفره السلع الاستراتيجية، وتهدف الى تنظيم الأمن الغذائي وتعزيزه وتطويره بما يكفل حماية المصالح الوطنية للدولة وأمنها الوطني.
وبعد هل ستكون معركة المستقبل على الغذاء أكثر من النفط! قد لا تكون هذه مبالغة. فالغذاء هو أساس الحياة، وأي اضطراب في توافره ينعكس مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ولهذا فإن الاستثمار في الأمن الغذائي لم يعد خيارًا تنمويًا، بل ضرورة استراتيجية.
لقد دخل العالم عصرًا جديدًا، لم تعد فيه الثروة تُقاس بما تملكه الدول من موارد مالية فقط، بل بما تمتلكه من قدرة على تأمين احتياجات شعوبها في أوقات الرخاء والأزمات. ففي القرن الحادي والعشرين، قد لا تُحسم قوة الدول في ساحات المعارك، بل في قدرتها على ضمان رغيف الخبز، وكوب الماء، واستمرار تدفق الغذاء إلى كل بيت، مهما اشتدت الأزمات.

