كتاب الرأي

حين تعصف الرياح

الرياح العاتية لا تُبقي الأشجار كما كانت؛ تقتلع الضعيف منها، أما القوي فتدفعه إلى أن يمد جذوره أعمق في الأرض، وكذلك الأوطان. فالمحن لا تكشف قوة السلاح والاقتصاد وحدهما، بل تكشف قبل ذلك قوة المجتمع، وصلابة انتمائه، وقدرته على أن يختلف في أيام الرخاء، ثم يقف صفًا واحدًا حين يصبح الوطن هو القضية.
في الأيام العادية قد نختلف حول قرار أو مشروع أو أداء مؤسسة، وقد يرى أحدنا ما لا يراه الآخر، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الاختلاف داخل الوطن والاختلاف على الوطن. الأول مصدر للتصحيح والبناء، أما الثاني فيمس الأساس الذي يقف عليه الجميع.
حين يتعرض الوطن لخطر خارجي، لا يعود السؤال: ماذا أريد أنا؟ بل: ماذا يحتاج منا وطننا؟
فالوطن ليس حكومة وحدها، ولا أرضًا وحدها، ولا حدودًا مرسومة على الخريطة. الوطن بيت كبير تتداخل فيه حياة الملايين: أمن أسرهم، ومستقبل أبنائهم، ومساجدهم ومدارسهم وجامعاتهم، وأعمالهم ومدخراتهم وذكرياتهم. وحين يُمس أمن الوطن، فإن الخطر لا يطرق باب مؤسسة حكومية وحدها، بل يطرق أبوابنا جميعًا.
ومن هنا يصبح الوقوف مع الوطن وقيادته في وقت المحنة مسؤولية وطنية، لا مجرد موقف عاطفي عابر. فالمادة الحادية عشرة من النظام الأساسي للحكم تجعل التكافل وعدم التفرق أساسًا يقوم عليه المجتمع، والمادة الثانية عشرة تنص صراحة على أن تعزيز الوحدة الوطنية واجب، وأن الدولة تمنع كل ما يؤدي إلى الفرقة والفتنة والانقسام.
لكن أخطر الحروب ليست دائمًا تلك التي نسمع فيها صوت الطائرات أو الصواريخ؛ فهناك حرب أخرى تبدأ بالشائعة، والمعلومة غير الموثقة، والصورة التي تكشف ما ينبغي ألا يُكشف، والكلمة التي تصنع فتنة، أو المعلومة التي تصل عمدًا إلى من يريد بالبلاد سوءًا. وفي عصر الهاتف المحمول وشبكات التواصل، قد تصبح المعلومة نفسها سلاحًا. ولهذا لم تعد حماية الوطن مهمة الجندي على الحدود وحده؛ فالمواطن الذي يتحقق قبل أن ينشر، والذي يمتنع عن تداول ما لا يعرف مصدره، يمارس شكلًا من أشكال المسؤولية الوطنية بقدر ما يمارسها من يحمل السلاح.
وهذا التسرع في النشر، على خطورته، يبقى غالبًا غفلة أو استهتارًا لا نية إيذاء وراءه. أما حين تتحول الغفلة إلى قصد، ويضع الإنسان نفسه عن علم وعمد في خدمة من يريد الإضرار بوطنه، فإننا أمام أمر مختلف تمامًا اسمه الخيانة. والتاريخ يعلمنا أن العدو الخارجي يبحث دائمًا عن نقطة الضعف الداخلية؛ فقد يمتلك الوطن جيشًا قويًا واقتصادًا متينًا وحدودًا محمية، لكن التصدع الداخلي يمنح خصمه ما قد يعجز عن تحقيقه من الخارج. لذلك فالخيانة ليست اختلافًا في الرأي، ولا نقدًا لمسألة عامة، بل استغلال لذلك الاختلاف في خدمة عدو. ولا ينبغي أن نخلط بين الأمرين، لأن قوة الوطن لا تقوم على إلغاء الرأي، بل على وضوح الخط الفاصل بين حق الاختلاف وواجب الولاء.
والوحدة الوطنية لا تعني أن نصبح نسخًا متطابقة، وإنما أن ندرك أن هناك سقفًا يجمعنا مهما اختلفنا تحته. نستطيع أن نختلف في الاقتصاد والتعليم والإدارة والتنمية، لكن حين يصبح أمن المملكة وسيادتها واستقرارها موضع تهديد، يصبح الوطن هو الأولوية الجامعة.
وهنا تظهر قيمة القيادة أيضًا؛ ففي أوقات الأزمات تحتاج الشعوب إلى الثقة، كما تحتاج القيادة إلى مجتمع متماسك يدرك أن بعض القرارات تُتخذ في ظروف لا تتاح فيها كل المعلومات للرأي العام، وأن حماية الدولة قد تتطلب الصمت في موضع، والحزم في موضع، والصبر في موضع آخر. وتبقى المؤسسات الرسمية والمصادر الموثوقة هي المرجع فيما يمس الأمن والمصلحة العامة.
لقد مرت المملكة منذ تأسيسها بتحولات وتحديات كثيرة، وكان من عناصر قوتها أن الدولة والمجتمع ظلا مرتبطين بفكرة واحدة أكبر من الأشخاص والمصالح الآنية: بقاء الوطن آمنًا موحدًا مستقرًا. وفي كل محطة كان فيها الوطن مستهدفًا، كانت الصورة نفسها تتكرر: مجتمع يلتف حول قيادته، ويحول اختلافاته الداخلية إلى وقت آخر، لأن غريزة البقاء عند الشعوب الحية تعرف متى تُقدَّم المصلحة الجامعة على كل ما عداها.
ولهذا، حين تعصف الرياح من حولنا، ليس المطلوب أن نخاف منها، بل أن نمد جذورنا أعمق؛ أن نختلف دون أن نتفرق، وأن ننتقد دون أن نهدم، وأن نتحدث دون أن نخدم بقصد أو بغير قصد من يريد بنا سوءًا. فأمن الوطن ليس ملفًا لدى جهة حكومية، بل أمانة يحمل كل واحد منا جزءًا منها.
فالأوطان القوية قد تواجه عدوًا على حدودها وتنتصر عليه، لكنها تكون أكثر قوة حين يعرف ذلك العدو أنه مهما اشتدت الرياح، لن يجد في الداخل بابًا يُفتح له.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى