في عالم تتسارع فيه الأخبار، وتتعدد فيه المنصات، وتتنافس وسائل الإعلام على جذب الجمهور، لم تعد المهنية الإعلامية ترفاً أو خياراً يمكن التنازل عنه، بل أصبحت مسؤولية أخلاقية ومجتمعية، وأحد أهم المعايير التي تُقاس بها قيمة المؤسسة الإعلامية ومكانتها.
فالإعلام، في جوهره، ليس مجرد نقل للأخبار، ولا مساحة مفتوحة لإبداء المواقف والإنطباعات، وإنما هو ممارسة مهنية تقوم على الدقة، والتحقق، والموضوعية، والإنصاف، واحترام حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات دون تضليل أو اجتزاء أو توجيه متعمد.
ومع ذلك، يلاحظ المتابع للمشهد الإعلامي اليوم أن بعض وسائل الإعلام تبتعد، بصورة واضحة أو تدريجية، عن هذه المبادئ الأساسية، فتتحول من ناقل للمعلومة إلى طرف في صياغتها وتوجيهها، ومن منصة لعرض الوقائع إلى أداة لتكريس رواية واحدة، سواء بدافع المنافسة، أو البحث عن الانتشار، أو الانحياز إلى موقف أو جهة أو شخصية معينة.
المصداقية تبدأ من الخبر
المهنية الحقيقية تبدأ من التعامل مع الخبر باعتباره أمانة، لا مادة للاستهلاك السريع. فالخبر المهني لا يقوم على السرعة وحدها، وإنما على سؤال بسيط وأساسي: هل المعلومة صحيحة ويمكن التحقق منها؟
وهنا تبرز أهمية المصادر الموثوقة، والتحقق من المعلومات، والتمييز بين الخبر والرأي والتعليق والتحليل. فليس من المهنية أن تُقدم معلومة غير مؤكدة على أنها حقيقة، أو أن يُبنى عنوان مثير على تفاصيل ناقصة، ثم تُترك الحقيقة الكاملة في الهامش.
وقد يكون العنوان أحيانًا أكثر تأثيرًا من متن الخبر نفسه، ولذلك فإن صياغته بصورة توحي بشيء لا يثبته المحتوى تُعد من الممارسات التي يمكن أن تضعف ثقة الجمهور بالمؤسسة الإعلامية، حتى لو كانت بعض المعلومات الواردة في الخبر صحيحة.
الحياد لا يعني غياب الرأي
لا يعني الحياد الإعلامي أن يخلو الإعلام من التحليل أو وجهات النظر، فالرأي والتحليل جزء مشروع من العمل الإعلامي، لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط الحدود بين الخبر والرأي، أو عندما تُقدم وجهة نظر واحدة باعتبارها حقيقة مكتملة.
المؤسسة المهنية تتيح للقارئ معرفة ما هو خبر، وما هو تحليل، وما هو تعليق، ومن صاحب الرأي، وعلى أي معلومات يستند.
كما أن الإنصاف لا يعني بالضرورة إعطاء المساحة نفسها لكل طرف في كل قضية، وإنما يعني عدم إخفاء المعلومات الجوهرية، وعدم اجتزاء مواقف الأطراف بصورة تغير معناها، وإتاحة الفرصة للرد والتوضيح عندما تكون هناك ادعاءات أو اتهامات تستدعي ذلك.
الانتقائية.. الوجه الآخر للتحيز
من أكثر أشكال التحيز الإعلامي صعوبة في الاكتشاف ما يمكن وصفه بـ”الانتقائية”: اختيار ما يُنشر وما لا يُنشر، وما يوضع في الواجهة وما يُدفع إلى الهامش.
فقد لا تحتوي المادة الإعلامية على معلومة كاذبة صراحة، لكنها قد تكون مضللة بسبب ما تم حذفه منها، أو بسبب تجاهل سياق مهم، أو بسبب التركيز على جانب واحد من القضية.
والسؤال المهني هنا ليس فقط: “هل ما نشرناه صحيح؟”، وإنما أيضًا: “هل ما نشرناه يقدم الصورة الضرورية لفهم الحقيقة؟”
وهذا فارق جوهري بين الإعلام الذي يسعى إلى إخبار الجمهور، والإعلام الذي يسعى إلى تشكيل انطباع محدد لديه.
الإثارة ليست بديلًا عن الصحافة
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت بعض المؤسسات الإعلامية أمام ضغط مستمر للحصول على المشاهدات والتفاعلات والمشاركات. وقد يؤدي ذلك إلى استخدام عناوين مبالغ فيها، أو لغة مثيرة، أو التركيز على التفاصيل الأكثر قدرة على إثارة الجدل، ولو كان ذلك على حساب السياق والدقة.
لكن الانتشار لا يساوي المصداقية، وعدد المشاهدات لا يمثل بالضرورة دليلًا على جودة المحتوى.
فالصحافة التي تفقد ثقة جمهورها قد تحقق انتشارًا لحظيًا، لكنها تخسر رأس مالها الحقيقي على المدى الطويل: المصداقية.
الخطأ وارد.. لكن الاعتراف به مسؤولية
لا توجد مؤسسة إعلامية معصومة من الخطأ، فالعمل الصحفي يقوم به بشر، وقد تقع أخطاء في النقل أو التحقق أو الصياغة.
لكن الفارق بين المؤسسة المهنية وغيرها يظهر عند وقوع الخطأ.
المؤسسة التي تحترم جمهورها تصحح المعلومة بوضوح، وتوضح ما حدث، ولا تحاول دفن التصحيح في زاوية بعيدة أو تجاهل الخطأ وكأنه لم يكن.
فالاعتذار والتصحيح لا ينتقصان من هيبة المؤسسة، بل قد يكونان دليلًا على احترامها للجمهور والتزامها بأخلاقيات المهنة.
الجمهور يستحق إعلامًا يحترم عقله
ربما يكون أهم مبدأ في العمل الإعلامي هو احترام عقل المتلقي.
فالجمهور اليوم أكثر قدرة على الوصول إلى المصادر والمعلومات والمقارنة بين الروايات المختلفة. وما قد يمر على القارئ بسهولة في السابق أصبح قابلًا للمراجعة والتحقق خلال دقائق.
ولهذا فإن المؤسسة الإعلامية التي تبني خطابها على المبالغة أو التحيز أو الانتقائية قد تكتشف أن فقدان الثقة أسهل بكثير من استعادتها.
إن الإعلام المهني لا يحتاج إلى أن يرفع صوته حتى يكون مؤثرًا، ولا يحتاج إلى تبني موقف مسبق حتى يكون حاضرًا، ولا يحتاج إلى مهاجمة طرف أو تلميع طرف آخر حتى يجذب الجمهور.
ما يحتاجه هو الدقة، والوضوح، والتحقق، والسياق، والإنصاف، والقدرة على الفصل بين المعلومة والموقف.
المهنة قبل الموقف
في النهاية، لا تُقاس قوة الإعلام بقدرته على التأثير في الجمهور فحسب، وإنما بقدرته على القيام بهذا الدور دون التخلي عن قواعد المهنة.
فالصحفي ليس مطالبًا بأن يكون بلا رأي كإنسان، لكنه مطالب، عندما يمارس مهنته، بأن يعرف أين تنتهي قناعاته الشخصية وأين تبدأ مسؤولياته المهنية.
وحين تصبح الرغبة في الانتصار لرأي أو جهة أهم من الحقيقة، يتحول الإعلام من وسيلة لإطلاع المجتمع إلى طرف في صناعة الرواية.
أما الإعلام الذي يحافظ على المهنية والمصداقية والحياد، فهو الذي يدرك أن مهمته الأولى ليست أن يخبر الناس بما ينبغي أن يعتقدوه، وإنما أن يقدم لهم المعلومات الموثوقة والسياق الكافي، ويترك لهم مساحة التفكير والحكم.
فالمصداقية تُبنى بخبر دقيق، والحياد يُثبت بالإنصاف، والمهنية تُقاس بالقدرة على قول الحقيقة كاملة، لا بالجزء الذي يخدم موقفًا معينًا…
•أستاذ جامعي لتقنيات الإتصال والصحافة الرقمية ..
