حين يعجز الجبناء عن مواجهة خصومهم، يبحثون عن طريق أسهل: يضربون من يظنونه صبورًا. وحين يرفعون شعار «الموت لأمريكا والموت لإسرائيل»، ثم تتجه نيرانهم إلى دولة عربية ومسلمة، فإن الشعارات تسقط، ويبقى السؤال الفاضح: أين العدو الذي تتحدثون عنه؟!!!
ما تتعرض له المملكة العربية السعودية من استهداف متكرر، سواء عبر المسيّرات أو الصواريخ أو التحريض الذي يجري في الخفاء ويقوم به جبناءعاجزين عن المواجهة، لم يعد أمرًا يمكن التعامل معه باعتباره حادثًا عابرًا أو تفصيلًا صغيرًا في مشهد المنطقة المضطرب.
هناك دولة اختارت، رغم قدرتها وثقلها، أن تمارس أقصى درجات ضبط النفس، وأن تمد يدها لجيرانها وأشقائها، وأن تقف في أوقات الأزمات إلى جانب شعوب المنطقة، انطلاقًا من حسن الجوار، ورابطة الدين واللغة، وإيمانًا بأن الخلافات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى عداء بين الشعوب.
ومع ذلك، ماذا كان المقابل؟
العدوان.
تُرفع الشعارات الثورية في المنابر، وتُلقى الخطب عن الكرامة والمقاومة والسيادة، ثم تُوجَّه أدوات العبث إلى السعودية.أي تناقض هذا؟
وأي سقوط سياسي وأخلاقي يجعل دولة عربية ومسلمة هدفًا، بينما تُرفع في الوقت ذاته شعارات العداء لقوى أخرى؟
الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها هي أن السعودية لم تكن ضعيفة عندما صمتت، ولم تكن عاجزة عندما صبرت، ولم تكن خائفة عندما اختارت ضبط النفس.
بل كانت تفعل ما تفعله الدول الواثقة من قوتها.
فالدولة الضعيفة تحتاج إلى الصراخ لتثبت وجودها، أما الدولة القوية فتستطيع أن تصمت وهي تعرف جيدًا حجم قوتها، وتستطيع أن تمنح الفرصة تلو الأخرى للحكمة والدبلوماسية قبل أن تضطر إلى خيارات أخرى.
لكن هناك فرقًا هائلًا بين الصبر والاستسلام.
ومن يقرأ الصبر السعودي على أنه خوف، أو يفسر ضبط النفس بأنه عجز، فهو لا يفهم طبيعة هذه الدولة ولا تاريخها ولا وزنها.
السعودية ليست دولة عابرة في المنطقة حتى تُختبر حدودها كل يوم.
إنها دولة ذات ثقل سياسي واقتصادي ودبلوماسي وإقليمي، وتعرف كيف تحمي مصالحها وأمنها، وتعرف كذلك أن بعض المعارك لا تُخاض بالصوت المرتفع، وإنما بالقرار الهادئ والحساب الدقيق.
ولهذا، فإن الاستمرار في اختبار صبر المملكة ليس شجاعة.
إنه مقامرة.
والمقامرة مع دولة بحجم السعودية ليست بطولة، بل سوء تقدير قد يدفع أصحابه ثمنه سياسيًا واستراتيجيًا.
أما أولئك الذين يختبئون خلف خطاب «لا نعلم»، و«لسنا مسؤولين»، و«لم تكن لدينا معرفة»، فعليهم أن يدركوا أن المسؤولية السياسية لا تُقاس فقط بما تعترف به البيانات الرسمية.
إذا كانت الهجمات قد انطلقت من أراضٍ تقع تحت سلطة دولة ما دون علم مسؤوليها، فهذه ليست إجابة تبرئهم؛ بل سؤال أكبر عن قدرتهم على السيطرة على أراضيهم.والخنوع لتوجيهات اسيادهم
وإذا كانوا يعلمون، فالسؤال يصبح أكثر إحراجًا: لماذا الصمت؟
وهنا تصل الرسالة إلى من يعنيه الأمر، دون حاجة إلى أسماء أو عناوين:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.
فلا يمكن لدولة أن تطلب من الآخرين احترام سيادتها، بينما تُستخدم أراضيها أو أجواؤها أو مؤسساتها بطريقة تهدد أمن دولة جارة، ثم تكتفي بالقول إنها لم تكن تعلم.
ولا يمكن أن تستمر لعبة الإنكار إلى ما لا نهاية.
السعودية صبرت كثيرًا لأنها تعرف قيمة الاستقرار، ولأنها لا تريد للمنطقة أن تتحول إلى ساحة مفتوحة للحروب والمغامرات.لكن للصبر سقفًا.
وإذا كان البعض يظن أن الهدوء السعودي دائم، فعليه أن يتذكر أن الهدوء قرار، والصبر قرار، وكذلك الرد قرار.
وحين تقرر المملكة أن مرحلة الصبر قد انتهت، فلن يكون مهمًا عندها كم شعارًا رُفع، ولا كم خطابًا أُلقي، ولا كم بيانًا حاول تبرير ما حدث.
عندها سيكون المعيار هو الأفعال والنتائج وحماية الأمن السعودي.
فلا تختبروا دولة اختارت الصبر وهي قادرة على غيره.
ولا تفسروا الحكمة ضعفًا.
ولا تجعلوا من حسن الجوار ذريعة لتمرير العدوان.
ولا تراهنوا على أن اليد التي امتدت للمساعدة ستظل ممدودة مهما تكرر الاعتداء.
السعودية لا تبحث عن حرب، لكنها أيضًا لا تخشى حماية أرضها وأمنها.
وما بين الصبر والرد مساحة واسعة اسمها الحكمة.
لكن الحكمة لا تعني أن الأبواب ستظل مفتوحة إلى الأبد.
تبت يد أبي لهب… وتبقى السعودية ثابتة، راسخة، صابرة؛ حتى إذا انتهى الصبر، عرف الجميع أن للصبر السعودي نهاية، وأن للسيادة السعودية كلمة لا يمكن تجاوزها.
فاحذروا صبر الحليم اذا نفذ
ولجنودنا البواسل حماة الوطن حماهم الله
نستذكر معا ابيات من قصيدة الأمير بدر بن عبدالمحسن رحمه الله :
يا رافع الجبهه جعل الردي يفداك
لا ماعلى الجبهه ما دامها في حماك
انت يالجندي السعودي ..صخرة ٍ تحمي حدودي
وللبطل اهدي ورودي . والقهر لعداك
سيفنا وقت الحرايب . درعنا لا جا السلام
عزنا هذي الكتايب . نورنا وسط الظلام



