تتميز الدراسة في الكليات التقنية بتركيزها على الجانب التطبيقي، وهو ما يمنح خريجيها ميزة واضحة عند انتقالهم إلى سوق العمل، ولا سيما في التخصصات الفنية، مثل تقنيات الحاسب الآلي، والتقنية الميكانيكية، والتقنية الكهربائية، وتقنيات الطاقة المتجددة. فالمتدرب في هذه المجالات لا يكتفي بدراسة المعارف النظرية، بل يطبق ما يتعلمه داخل المعامل والورش، ويتعامل مع الأجهزة والتقنيات المرتبطة بتخصصه؛ ليكون أكثر استعدادًا لمباشرة العمل بعد تخرجه.
غير أن هذا الحضور التطبيقي يبدو أقل وضوحًا في بعض التخصصات الإدارية والمساندة، مثل المحاسبة والتسويق والإدارة المكتبية؛ إذ تميل بعض مقرراتها إلى تقديم المعرفة النظرية أكثر من اعتمادها على المحاكاة والتطبيقات المهنية والمشروعات الواقعية. وهذا يدعو إلى مراجعة مدى انسجام هذه البرامج مع طبيعة التعليم التقني، الذي يفترض أن يقوم على تنمية الكفايات المهنية، وإعداد الخريج لأداء مهام وظيفية محددة، لا على تقديم المعرفة النظرية وحدها.
وقد امتدت هذه الملاحظة إلى بعض التخصصات السياحية المستحدثة في الكليات التقنية؛ إذ صُممت بعض برامجها وفق نمط قريب من التخصصات الإدارية، مع أن العمل السياحي بطبيعته يقوم على الممارسة الميدانية والتواصل المباشر مع الزوار والتعامل مع المواقف المتغيرة. ولذلك يحتاج المتدرب في هذا المجال إلى ممارسة تصميم البرامج والرحلات السياحية، وإدارة المجموعات، والتعريف بالمواقع التاريخية والتراثية، واستخدام المنصات والتقنيات السياحية، والتعامل مع الأزمات والحالات الطارئة، إلى جانب اكتساب المهارات اللغوية والتواصلية المناسبة.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية المعارف النظرية؛ فهي ضرورية لفهم الأنظمة والثقافة والتاريخ والجغرافيا والسلوك السياحي. لكن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى ممارسة داخل موقع سياحي أو متحف أو فندق أو شركة لتنظيم الرحلات. ومن هنا، فإن الحكم على فاعلية البرنامج لا ينبغي أن يعتمد على أسماء المقررات أو عدد الساعات وحدهما، بل على مقدار ما تمنحه الخطة التدريبية للمتدرب من فرص حقيقية للممارسة والتجربة والتعامل مع بيئة العمل.
وتتضح الحاجة إلى التكامل بصورة أكبر في تخصص الإرشاد السياحي؛ إذ يحصل المتدرب في الكلية التقنية على مؤهل متخصص بعد اجتياز خطة تدريبية تمتد عدة فصول، في حين ترتبط ممارسة المهنة بالحصول على ترخيص من وزارة السياحة. ووفق دليل خدمات لائحة الإرشاد السياحي المنشور من الوزارة، يُعد وجود البكالوريوس أو الدبلوم في تخصص الإرشاد السياحي أحد مساري التأهيل، في مقابل اجتياز دورة مهارات الإرشاد السياحي المعتمدة لغير الحاصلين على المؤهل المتخصص. ومع ذلك، تبقى متطلبات أخرى مرتبطة بفئة الترخيص، مثل دورة المحتوى والمقابلة الشخصية وغيرها من المتطلبات المعتمدة.
وبذلك فإن المؤهل المتخصص يحظى بوزن في مسار الترخيص، لكنه لا يكفي وحده لممارسة المهنة. ولا يمثل ذلك إشكالًا في ذاته؛ لأن الترخيص المهني ضرورة لحماية جودة الخدمات السياحية، وضمان كفاءة الممارسين وسلامة الزوار ودقة المعلومات التي تقدم لهم. لكن التساؤل المشروع يتعلق بمدى التكامل بين ما يدرسه المتدرب في الكلية وما تطلبه الجهة المنظمة للمهنة، ومدى وضوح الميزة التي يحصل عليها خريج الدبلوم مقارنة بمن يدخل المجال من تخصص آخر بعد اجتياز برنامج تأهيلي أقصر.
وهنا يبرز سؤال يهم كل خريج: ما القيمة المهنية الإضافية التي يمنحها له دبلوم استغرق عدة فصول دراسية؟ وهل يستطيع الانتقال بعد تخرجه مباشرة إلى إجراءات الترخيص، أم سيجد نفسه مطالبًا بإعادة دراسة مهارات سبق أن تلقاها داخل البرنامج؟ كما تبرز الحاجة إلى توضيح مدى انطباق وصف المؤهل المعتمد الوارد في المتطلبات التنظيمية على دبلومات الإرشاد السياحي الصادرة من الكليات التقنية؛ حتى يكون المسار واضحًا للمتدرب منذ التحاقه بالتخصص.
إن جوهر المشكلة، إذن، لا يكمن في اشتراط الترخيص، ولا في إتاحة المهنة لخريجي تخصصات أخرى متى أثبتوا كفاءتهم، وإنما في احتمال وجود فجوة بين التأهيل الذي تقدمه الكلية والمتطلبات التي تعتمدها الجهة المنظمة. فليس من المصلحة أن تعمل الجهة التعليمية والجهة التنظيمية في مسارين متوازيين لا يلتقيان إلا بعد تخرج المتدرب؛ لأن النتيجة قد تكون تكرارًا في التدريب، أو غموضًا في المسار المهني، أو ضعفًا في القيمة التنافسية للمؤهل.
ولمعالجة هذه الفجوة، ينبغي بناء شراكة مؤسسية واضحة بين المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني ووزارة السياحة والجهات المهنية ذات العلاقة، بحيث تُصمم برامج الإرشاد السياحي وفق الكفايات والمعايير المعتمدة للترخيص. كما ينبغي أن تتضمن الخطة التدريبية المتطلبات التأهيلية اللازمة، وأن يُتاح للخريج التقدم إلى إجراءات الترخيص فور تخرجه، دون إلزامه بإعادة برامج أو مهارات سبق أن اجتازها ضمن دراسته.
ولا يعني ذلك دمج الرخصة نفسها في الشهادة؛ لأن إصدار الرخصة يظل من اختصاص الجهة المنظمة، وإنما المقصود هو دمج متطلبات التأهيل اللازمة لها في البرنامج التدريبي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الاعتراف المتبادل بالمقررات والساعات التدريبية، واعتماد بعض الاختبارات بصورة مشتركة، وتحديد مسار مختصر وواضح لخريجي التخصص، ومنحهم ميزة مهنية تتناسب مع مدة دراستهم وما اكتسبوه من معارف ومهارات.
ويتطلب تطوير البرنامج كذلك مراجعة المقررات التي لا تظهر صلتها المباشرة بالكفايات المهنية، وإعادة بنائها أو تقليصها لمصلحة التطبيقات الميدانية والمشروعات العملية. كما ينبغي زيادة ساعات التدريب في المواقع السياحية والفنادق والمتاحف ومراكز الزوار وشركات تنظيم الرحلات، وإشراك المرشدين السياحيين وأصحاب العمل والخريجين في بناء الخطط التدريبية وتقويمها؛ حتى يستجيب البرنامج للتحولات الفعلية في سوق العمل.
ومن المفيد أيضًا اعتماد مؤشرات واضحة لقياس نجاح البرنامج، من بينها نسبة الخريجين الحاصلين على الرخص المهنية، ومعدل توظيفهم في القطاع، ومدى رضا أصحاب العمل عن كفاياتهم، وقدرتهم على تصميم البرامج السياحية وإدارة المجموعات والتعامل مع الزوار والمواقف الطارئة. فهذه النتائج أكثر دلالة على جودة البرنامج من مجرد أعداد المقبولين أو الخريجين.
إن نجاح التخصصات السياحية في الكليات التقنية لا يُقاس بعدد الشهادات الممنوحة، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى مهارة، والمؤهل إلى فرصة، والخريج إلى ممارس قادر على دخول سوق العمل بثقة وكفاءة. ومن هنا، فإن مراجعة برامج الإرشاد السياحي وتعزيز التكامل بينها وبين متطلبات الترخيص لم يعدا خيارًا تطويريًّا فحسب، بل أصبحا ضرورة لضمان جودة التأهيل، وحماية وقت المتدرب، وتعظيم قيمة المؤهل، والمساهمة الفاعلة في تنمية القطاع السياحي في المملكة.





