في مساء يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول لعام 1448هـ، كانت لنا زيارةٌ مباركةٌ مع أخٍ كريمٍ من أبناء مدينتنا الحبيبة، شابٌ يافعٌ كان بالأمس القريب يمتلئ نشاطاً وحيوية، يتطلع إلى مستقبلٍ مشرقٍ رغم أنه لم يكمل تعليمه النظامي. أراد الله له أن يسافر خارج مدينته بحثاً عن الرزق، فوفق في العمل بالدفاع الجوي، وأُبتعث لمدة سنة ونصف لدراسة اللغة الإنجليزية، علماً بأنه لم يتمكن من النجاح فيها أثناء دراسته بالمرحلة المتوسطة. وعاد من بعثته، واستمر في عمله بجدٍ واجتهاد حتى وصل إلى رتبة رئيس رقباء. ولكن القدر المحتوم، الذي كُتب في اللوح المحفوظ، لابد أن ينفذ فقد أصيب بجلطةٍ مفاجئة، فقد خلالها الحركة في جميع أطرافه. خبرٌ صعبٌ، ومحنةٌ قاسيةٌ، قد تفقد الإنسان الأمل، وتثقل عليه الحياة. ولكنه تلقى الأمر راضياً بالقضاء والقدر صابراُ محتسباً، ومرّت عليه الأيام والشهور والسنوات، وهو على هذا الحال لما يربو على عشر سنوات تقريباً. انقطع التواصل معه خلال تلك السنوات الطويلة، وإن كان معي في الدعاء بظهر الغيب في ساعات الإجابة من يوم الجمعة. وقدر الرحمن لنا زيارته هذا المساء، فانتابتنا فرحةٌ عارمةٌ وسرورٌ بالغٌ بلقائه. ولكن ما وجدناه كان أعظم من كل توقعاتنا! فقد وجدناه مبتسم الثغر، مشرق الوجه، حامداً لربه، شاكراً لنعمه مرحباً بنا أيما ترحيب يسأل كل واحدٍ منا عن حاله ووضعه باهتمام صادق. وهو قادر على التعامل مع زواره عن طريق الجوال من خلال التحدث عن بُعد، وإعطاء الأوامر. بل إنه يقوم بعمل مقاطع فيديو مفيدة وجاذبة على اليوتيوب، ينفع بها الناس ويضيف قيمة للحياة رغم كل ما مرّ عليه.
وقصة أخرى مشابهة إلى حد ما قبل سنوات شابٌ في بداية المرحلة المتوسطة، أصيب بحادثٍ أليم، فقد خلاله أطرافه الأربعة، ولم يبقَ له إلا رأسه. كان على التنفس الصناعي، وبقي في المستشفى لسنواتٍ عديدة. كان يتواصل عبر الجوال، وأكمل تعليمه إلى المرحلة الثانوية، بل وتجاوزها. كتب الله لي ولمجموعةٍ من الزملاء زيارته ضمن وفدٍ من القطاع الثالث، وكنا نشعر بقلقٍ شديدٍ لرؤيته لأننا توقعنا أن نجد إنساناً محطماً، يائساً وغاضباً من قدره. ولكن كانت المفاجأة أنه كان عكس كل توقعاتنا أيضاً فقد كان مبتسماً، باشاً، مشرق الوجه يتحدث بلغة واضحة وأسلوب أدبيٍ رائع، وكأنه لم يُصب بأذى قط. تحدث عن حالته للقناة التلفزيونية التي رافقناها بثقةٍ وإيمانٍ عميق، وأبهرنا جميعاً بصبره ورضاه. وكنا سبباً، بعد الله، في موافقة الجامعة على قبوله للدراسة الجامعية، فرحنا جميعاً بهذا الخبر، وتوقعنا أن نراه في الجامعة قريباً. ولكن القدر سبق، وسقطت الورقة، وقبضت الروح. رحمه الله وجعله متنعماً في جناتٍ ونهر. وفي الواقع فقد أوردت هاتين القصتين من خلال هذا المقال لنخرج منها بعدة دروس وعبر. كيف تكون الهمم عالية؟ فالهمم العالية لا علاقة لها بصحة الجسم أو اكتمال الأطراف.
هذا الأخ الأول، مقيدٌ في فراشه منذ خمسة عشر عاماً، لا يستطيع الحركة، ومع ذلك فهو يتعامل مع زواره عبر الجوال ويصنع محتوى مفيداً على اليوتيوب ويسأل عن زملائه وأصدقائه. أما الأخ الثاني، فقد أكمل تعليمه حتى المرحلة الثانوية وكان يتحدث بأسلوبٍ أدبيٍ رائع ويحلم بالدراسة الجامعية بل وكان مبتسماً ويتحدث بثقةٍ وإيمان. ومن هنا فإن أصحاب الهمم العالية حتى وإن كانوا يعانون من مرض أو صعوبة إلا أنهم يملكون قلوباً سليمة وعزيمة لا تلين. ومن الدروس التي يمكن الخروج بها من مثل هذه المواقف والقصص هي أن الطموحات الكبيرة لا تقف عند حد. فقد نجد بعضاً من الشباب اليوم يضعون لأنفسهم حدوداً قد تكون وهمية مثل أنه لا يستطيع لأنه لم يكمل دراسته أو لا يملك مالاً أو لأنه يعاني من مرض معين. ولكن هذين الأخوين كسرا كل هذه الحواجز. فالأول لم يكمل تعليمه النظامي، ومع ذلك تعلم اللغة الإنجليزية في بعثة، ووصل إلى رتبة رئيس رقباء، والآن يصنع محتوى على اليوتيوب والأجمل من ذلك روعة رضاه بالقضاء والتسليم بالقدر. أما الأخ الثاني فهو الآخر فقد أطرافه، ومع ذلك أكمل تعليمه، وكان يحلم بالجامعة. ولهذا فالطموحات الكبيرة لا تتوقف عند العقبات، بل تتجاوزها وتبحث عن البدائل. والخير دائماً فيما اختاره رب العالمين. فإذا أغلق باب فتح الرحمن أبواباً أخرى لم تكن في الحسبان. وما على المرء سوى البحث عن البدائل، والبحث عن أبواب أخرى فإن لم يكن فليصنع نافذة أو باباً جديداً ولا يستسلم ويخنع للواقع، بل يستفيد منه لصنع شيء جديد. فالرضا بالقدر يدفع الشخص دائماً إلى الانطلاقة وتحقيق مزيد من العطاء. حين يسلم الإنسان أمره لله، ويثق في حكمته، يفتح الله له أبواباً متعددة لم يكن يتوقعها منها أبواب الإبداع ونفع الآخرين ويملأ قلبه طمأنينة ورضا ويزيده انشراحاً وسعادة حقيقية ورب العالمين قال في محكم التنزيل: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه). ورسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه قال: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).
0

