نستقبل قريبًا اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية؛ مناسبة نستعيد فيها قصة توحيد وطن، ونرى كيف يجمع الانتماء الناس حول تاريخ وهوية وطموح مشترك. وهي فرصة للاعتزاز بما راكمته المملكة من خبرة في خدمة ملايين المسلمين القادمين للحج والعمرة والزيارة، وإدارة أعظم مناسبات الدنيا وأشدها تعقيدًا، حيث تتداخل في زمن محدود مهام النقل والإسكان والصحة والأمن والغذاء والتوجيه والخدمات، في منظومة تتطور عامًا بعد عام.
لكن ما الذي يجعل يوم الوطن أكثر من تاريخ نتذكره، أو إجازة ننتظرها؟ إنه يمنح الإنسان فرصة ليعبّر عن علاقته بوطنه، ويلتقي بالآخرين حول قصة تجمعهم. ومن هنا نصل إلى سؤال هذه المقالة: لماذا يحتاج الإنسان إلى المناسبات ويصنعها؟
يقول ابن خلدون في المقدمة: «إن الاجتماع الإنساني ضروري»، وينقل عن الحكماء قولهم: «الإنسان مدنيّ بالطبع». لم يكن يقصد مجرد ميل الإنسان إلى الأنس واللقاء؛ بل إن الفرد لا يستطيع وحده أن يوفر جميع حاجاته أو يحمي نفسه أو يبني العمران. نحن نحتاج بعضنا إلى بعض، ومن تعاوننا تنشأ الحياة المشتركة.
والمناسبة صورة مكثفة من هذا الاجتماع الإنساني. إنها لقاء مقصود ومؤقت، يجمع الناس في مكان وزمان محددين حول غرض مشترك. وقد تختلف الأغراض، لكن قيمة المناسبة لا تنشأ من مجرد وجود الناس جنبًا إلى جنب، بل مما يحدث بينهم، وما يستطيعون تحقيقه معًا.
فالإنسان يجتمع ليعبّر عن الفرح، أو يتقاسم الحزن، أو يتعلم، أو يتعبد، أو يحتفي بهويته. وحين يلتقي الناس حول غاية مشتركة، تنشأ علاقات ومشاعر وسلوكيات لا تظهر بالطريقة نفسها في العزلة. يتبادلون المعرفة، ويقدم بعضهم العون لبعض، وتتولد بينهم الثقة والذكريات والفرص. وقد يعود الإنسان من المناسبة بصداقة، أو فكرة، أو فرصة عمل، أو شعور أقوى بأنه جزء من جماعة ووطن.
وهذا ما نشعر به في اليوم الوطني. فالأعلام والألوان والأهازيج واللقاءات ليست غاية في ذاتها؛ إنها وسائل تعبّر عن ذاكرة مشتركة، وتقرّب بين الأجيال، وتربط ما تحقق بما نطمح إلى تحقيقه. والمناسبة الوطنية تنجح حين تتجاوز المشهد الاحتفالي إلى تجديد الانتماء والمسؤولية: ماذا قدم لنا الوطن، وماذا نستطيع أن نقدم له؟
وفي ثقافتنا السعودية والعربية نعرف معنى الاجتماع والضيافة بالفطرة والممارسة. فالضيف لا يُستقبل بمقعد فقط، بل بالترحيب وإشعاره بأنه بين أهله. والمجلس لا تُقاس قيمته بمساحته أو أثاثه، بل بما يتيحه من تواصل واحترام ومشاركة. وقد تغيرت أدوات اللقاء، لكن جوهر المناسبة بقي إنسانيًا: أن نرى بعضنا، وأن نُرى، وأن نشعر بأن وجودنا جزء من قصة أكبر.
وتؤكد الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة أن الانتماء وبناء الروابط الإنسانية من الحاجات الأساسية المؤثرة في مشاعر الإنسان وصحته وسلوكه. كما تبين دراسات التجمعات الكبرى أن الشعور بهوية مشتركة يمكن أن يعزز التقارب والتعاون والمساعدة. وهذا يصحح النظرة التي تختزل الحشد في كتلة ينبغي تحريكها وضبطها؛ فالحشد بشر، لكل واحد منهم غاية وكرامة، ولديه كذلك قدرة على الإسهام في نجاح المناسبة.
وفي الحج نرى الاجتماع الإنساني في صورة فريدة وعميقة. يأتي الناس من بلدان ولغات وثقافات متعددة، ويلتقون في زمان معلوم وأماكن محددة لأداء شعائر وغاية مشتركة. إنهم لا يقفون بوصفهم أفرادًا متجاورين فقط، بل يعيشون تجربة جماعية تظهر فيها معاني التعارف والتعاون والصبر والمساعدة ووحدة الغاية.
وقد بينت في أطروحتي للدكتوراه عام 1997 أهمية التفاعل الاجتماعي الإيجابي بين ثلاثة أطراف في المناسبة: متلقي الخدمة، ومقدمها، والمجتمع المضيف. فالمتلقي لا يستهلك الخدمة فقط، ومقدم الخدمة لا يعمل بمعزل عنه، والمجتمع ليس مجرد مكان تُقام فيه المناسبة؛ بل يشارك الجميع، من خلال سلوكهم وتفاعلهم، في صناعة التجربة والنتائج والقيمة.
لكن الاجتماع لا يصنع القيمة تلقائيًا. فالاعتماد المتبادل قد يولّد تعاونًا، وقد يتحول، عند ضعف التنظيم أو غموض المعلومات أو الشعور بعدم العدالة، إلى توتر وتزاحم وتنازع. وهنا تظهر الحاجة إلى التخطيط والهندسة والإدارة والحوكمة؛ ليس للسيطرة على الإنسان، بل لتهيئة الظروف التي تساعده على تحقيق غايته، وتحفظ سلامته وكرامته، وتمكّنه من التعاون مع الآخرين.
في المقال التأسيسي «المناسبات: من الوناسة إلى الهندسة» نظرنا إلى المناسبة بوصفها منظومة تجمع الإنسان والمكان والزمان، ويربط بينها غرض وبرنامج، وتدعمها المرافق والخدمات والتشغيل. ونبدأ هنا بالإنسان؛ لأنه هو الذي يصنع المناسبة، ويستخدم المكان، ويعيش الزمن، ويتلقى الخدمة، ويحكم في النهاية على ما حققته من نتائج وقيمة.
لذلك لا يكفي أن نسأل: كم شخصًا حضر؟ الأهم أن نسأل: لماذا حضر؟ كيف تفاعلوا، وما الذي أضافه حضورهم إلى التجربة المشتركة؟ وهل ساعدتهم المناسبة على تحقيق غايتهم وصنع قيمة لهم ولمقدمي الخدمة وللمجتمع؟ هنا تتحول عبارة «الإنسان اجتماعي بطبعه» من حكمة نرددها إلى مسؤولية في التخطيط والإدارة.
وإذا كان الإنسان هو نقطة البداية، فثمة سؤال ينتظرنا: أي إنسان نقصد؟ فالضيف ليس رقمًا في تذكرة، والحشد ليس مجموعة متشابهة من الناس؛ ولكل إنسان احتياجات وقدرات وتوقعات قد تختلف عن غيره.
وهذا ما نقترب منه في المقال القادم: «المناسبات: من هو ضيفنا؟» فنجاح المناسبة يبدأ قبل وصول الضيف؛ يبدأ حين نعرف من سيأتي، وننظر إلى المكان والخدمة بعينيه.
المراجع
1. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. المقدمة، الباب الأول من الكتاب الأول في العمران البشري.
2. Baumeister, R. F., & Leary, M. R. (1995). The Need to Belong. Psychological Bulletin, 117(3), 497–529.
3. Khan, S. S., et al. (2015). Shared Identity Predicts Enhanced Health at a Mass Gathering. Group Processes & Intergroup Relations.
4. Barhamain, S. Y. (1997). Facilities Planning and Management for the Large-Scale Event Industry, with Particular Reference to the Hajj. University of Strathclyde.
0
