المقالات

المناسبات: مدن تتنافس على الحب!

للمدن عناوين على الخرائط، ولها عناوين أخرى في القلوب.
نزور بعضها فنغادره بصورة جميلة، وبعضها يغادر معنا؛ في وجه، أو موقف، أو ذكرى صغيرة لا نعرف لماذا بقيت. وربما عرف الشعراء هذا قبل المخططين بقرون. فقد خاطب عنترة دار عبلة كأنها تسمعه:

«يا دارَ عبلةَ بالجواءِ تكلّمي
وعِمي صباحًا دارَ عبلةَ واسلمي»

وافتتح امرؤ القيس معلقته بـ«ذكرى حبيبٍ ومنزل». أما البيتان الشهيران المنسوبان إلى مجنون ليلى فيختصران الحكاية كلها:

«أمرُّ على الديارِ ديارِ ليلى
أقبّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا

وما حبُّ الديارِ شغفنَ قلبي
ولكنْ حبُّ من سكنَ الديارا»

لطالما استشهدت بهذين البيتين في نقاشاتي مع زملائي المخططين. ففيهما، ببساطة الشعر، سؤال ظل يشغلني: لماذا نحب مدينة دون أخرى؟ هل نحبها لما فيها، أم لمن فيها، أم لما عشناه بين الاثنين؟
يعود بي هذا السؤال إلى سنوات دراسة الهندسة المعمارية في جامعة البترول والمعادن، عندما تعرفت إلى كتاب كيفن لينش الشهير The Image of the City. جذبتني يومها فكرته عن الصورة التي تتكون للمدينة في أذهاننا؛ مساراتها وحوافها ومناطقها وعُقدها ومعالمها. وبعد سنوات، أتيحت لي فرصة أن أرى بعض تلك الأفكار على أرض الواقع عندما شاركت في إعداد مخططات لعدد من مدن وقرى منطقة مكة المكرمة.
لكن العمل مع المدن يعلّم الإنسان أن الخريطة، مهما كانت جيدة، لا تقول كل شيء. نستطيع أن نفسر كيف يقرأ الناس المدينة ويتذكرونها، ويبقى السؤال الأصعب: لماذا يحبونها؟
بالتأكيد، للتخطيط الجيد والعمران الجميل وتكامل المدينة وأنسنة فضاءاتها أثر كبير. ومع ذلك، نعرف جميعًا مدنًا جميلة لا نشتاق إليها، وأماكن متواضعة بقي لها في نفوسنا شيء لا تصنعه المباني وحدها.
ولعل هذا ما جعل المنافسة بين المدن تتجاوز اليوم الأبراج والمطارات وأعداد الزوار. فالمدن تريد أن تجذب الناس لزيارتها والعيش والعمل والاستثمار فيها، وتريد كذلك أن تكسب مودتهم. حتى إن بعض التصنيفات العالمية أصبحت تسأل المسافرين عن المدن الأكثر ودًّا وترحيبًا؛ ومن ذلك تصنيفات Condé Nast Traveler المبنية على آراء المسافرين وانطباعاتهم.
أما الدراسات العلمية فتذهب أبعد من ترتيب مدينة أولى وأخرى عاشرة؛ فهي تبحث في صورة المدينة، والارتباط بالمكان، والشعور بالترحيب، ثم في سؤال عملي جدًا: هل يرغب الزائر في العودة؟ وهل ينصح غيره بالزيارة؟
ولعل المودة تبدأ بأشياء أصغر كثيرًا من المؤشرات والتصنيفات. وجه بشوش، مساعدة في وقت الحاجة، شعور بالأمان، أو إحساس بأنك لست غريبًا تمامًا. تفاصيل قد تبدو عابرة، لكنها أحيانًا هي ما يبقى من مدينة كاملة.
ومن تجربتنا المحلية، تظل مكة المكرمة والمدينة المنورة مجالًا ثريًا للتأمل في هذه العلاقة. يأتي الحاج أو المعتمر إلى مكة وله مقصد وبرنامج من الشعائر والحركة؛ يطوف ويسعى ويمشي وينتظر، وفي الحج ينتقل بين أماكن وأزمنة محددة وسط كثافات بشرية كبيرة. تجربة سامية في معناها الروحي، لكنها حاضرة أيضًا في الجسد والحواس؛ فيها الجهد والحركة والازدحام، وفيها المشاركة والانتماء والفرح.
وعندما يصل الزائر إلى المدينة المنورة يتغير، في الغالب، إيقاع يومه. تخف حدة الحركة، ويتسع وقت المكوث والتأمل والسكينة.
لا أقصد بذلك مفاضلة بين المدينتين في المكانة أو المحبة؛ وإنما لفت النظر إلى أمر نغفله أحيانًا: نحن لا نعيش المكان منفصلًا عن حالتنا ونحن فيه. فالطريق الذي قطعناه مرهقين قد لا نتذكره كما لو قطعناه مستريحين، والمكان الذي احتوانا وأشعرنا بالألفة قد يرافقنا طويلًا بعد مغادرته.
ومن هذه الزاوية تصبح المناسبة أكثر من حدث يقام في مدينة. فهي تجمع خلال أيام قليلة أناسًا ربما يزورون المكان للمرة الأولى، ويرونه في ظروف استثنائية ومكثفة. وقد تحدثنا في المقال السابق عن الضيف والمضيف؛ ولعل السؤال الطبيعي بعد ذلك هو: هل يمكن للمودة التي تنشأ بينهما أن تمتد إلى المدينة نفسها؟
قد تنتهي المناسبة بعد أيام، وتفك منشآتها المؤقتة، ويعود الناس إلى بلدانهم، لكن شيئًا آخر قد يبقى. صورة، أو حكاية، أو شعور جميل، وربما رغبة صادقة في العودة.
وعندها يصبح نجاح المدينة أكبر من عدد من حضروا المناسبة؛ إنه أيضًا عدد من غادروها وهم يحبونها أكثر مما كانوا قبل أن يصلوا إليها.
ويبقى للمكان دوره في هذه الحكاية. فكما يستطيع الناس أن يقربونا من مدينة، يستطيع تصميمها وشوارعها وساحاتها وظلالها ومقاييسها الإنسانية أن يقرب بعضنا من بعض.
فكيف نصمم مكانًا يساعد الناس على أن يحبوه؟
ذلك حديث المقال القادم.
أهم المراجع
Kevin Lynch (1960), The Image of the City, MIT Press.
Stylos, N. et al. (2017), “Linking the dots among destination images, place attachment, and revisit intentions”, Tourism Management, 60, 15–29.
Kim, J.-H. (2018), “A model of perceived image, memorable tourism experiences and revisit intention”, Journal of Destination Marketing & Management, 8, 326–336.
Alnabulsi, H. & Drury, J. (2014), “Social identification moderates the effect of crowd density on safety at the Hajj”, Proceedings of the National Academy of Sciences, 111(25), 9091–9096.
Condé Nast Traveler, Readers’ Choice Awards — rankings of the world’s friendliest cities.

د.م. سامي ياسين برهمين

باحث مستقل | مهندس مستشار | خبير في التخطيط وإدارة المرافق والخدمات والمناسبات الكبرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى