المقالات

المناسبات: من هو ضيفنا.. ومن هو مضيفنا؟

تخيل حاجًا وصل بعد رحلة طويلة إلى بلد لا يعرف لغته. المطار حديث، والحافلة مهيأة، والطريق واضح، والتقنية حاضرة. وبعد سنوات، ربما ينسى رقم البوابة وطراز الحافلة، لكنه قد لا ينسى موظفًا فهم حيرته، أو رجل أمن طمأنه، أو سائقًا حمل عنه حقيبته واستقبله بابتسامة.

ولعل مثلنا الشعبي الجميل «قابلني ولا تعشّيني» يختصر كثيرًا من المعنى؛ فالإنسان قد ينسى ماذا قدمت له، لكنه لا ينسى بسهولة كيف استقبلته وكيف عاملته.
فالمناسبة لا تجمع إنسانًا بمكان وزمان فقط؛ إنها تجمع إنسانًا بإنسان.
وهنا يأتي السؤال: من هو ضيفنا؟
ليس رقمًا في إحصائية، ولا فردًا نضيفه إلى كثافة الحشود. إنه إنسان يصل ومعه لغته وثقافته وعمره وقدراته وخبراته وتوقعاته، وحالته النفسية والجسدية أيضًا.
ولهذا قد يبدأ إعداد الضيف قبل وصوله بوقت طويل. ففي الحج، مثلًا، تبذل دول إسلامية جهودًا في توعية حجاجها وإعدادهم للرحلة والمناسك والتعليمات؛ فالضيف الأكثر استعدادًا يكون أقدر على فهم المكان والخدمة والتعامل مع ظروف المناسبة.

وقد شغلني هذا الجانب منذ أطروحتي للدكتوراه عام 1997 عن مرافق وخدمات المناسبات الكبرى بالتطبيق على الحج؛ إذ ظهر أن جودة المناسبة لا تتعلق بالمباني والمرافق وحدها، بل بالجوانب غير المادية أيضًا، ومنها المعاملة والتواصل و«التفاعل الاجتماعي». وبعبارة أبسط: المناسبات يصنعها الناس للناس.
ثم انتقلت الفكرة إلى الميدان في دراسة أجريتها مع الأستاذ الدكتور عبدالحكيم موسى مبارك، طُبقت خلال حج 1419هـ على أكثر من ألف حاج، وتناولت تفاعلهم مع مقدمي الخدمة في المطار والنقل ومكاتب الخدمة والأسواق والأمن وغيرها.
وكانت وراء الأرقام رسالة إنسانية بسيطة: الخدمة ليست فقط ماذا نقدم؟ بل كيف نقدمها، وكيف يشعر الإنسان وهو يتلقاها؟
ولكن للقاء طرفًا آخر: من هو مضيفنا؟
ليس المنظم وحده. فقد يكون موظف المطار، ورجل الأمن، والسائق، وموظف الفندق، والبائع، والمتطوع. وقد يكون مواطنًا أو مقيمًا لا يعمل في المناسبة أصلًا، لكنه صادف زائرًا تائهًا سأله عن الطريق؛ فإذا به، لدقائق قليلة، يصبح وجهًا للمدينة كلها.
وقد أدركت مدن استضافت مناسبات عالمية أهمية هذه التفاصيل؛ فدُرّب العاملون وسائقو سيارات الأجرة في مناسبات مثل كأس العالم في روسيا وأولمبياد طوكيو على اللغة والتعامل مع الزائر، بينما وسعت جنوب أفريقيا، في كأس العالم 2010، مفهوم المضيف ليشمل «المضيفين الرسميين وغير الرسميين». فالزائر يتعامل مع المدينة، لا مع اللجنة المنظمة وحدها.

ولعل «خليجي 27» في جدة يقدم لنا اليوم مثالًا قريبًا؛ فقد عبّر ضيوف وجماهير خليجية عن إعجابهم بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، وبالتجربة الاجتماعية الثرية التي جمعتهم بجمهور السعودية القادم من مختلف أنحاء المملكة، وبأهالي جدة.
وهنا تتحول الفكرة من نظرية إلى تجربة نراها أمامنا: قد تستضيف الجهة المنظمة البطولة، لكن المدينة وأهلها هم الذين يستضيفون الإنسان.
وهذا درس مهم ونحن نستعد في المملكة لمناسبات عالمية أكبر، في مقدمتها إكسبو الرياض 2030 وكأس العالم 2034.
فالكرم وحسن استقبال الضيف من مكارم الأخلاق المتجذرة في مجتمعنا، ونلمس صورًا جميلة منه في مواسم الحج والعمرة والزيارة، في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، من العاملين والمتعاملين مع ضيوف الرحمن. والمأمول أن تمتد هذه الروح، باحترافية متزايدة، إلى مختلف مدن المملكة التي تستعد لاستضافة العالم.
وهذا لا يمنع من إضافة جرعات تثقيفية ومهنية في لغات الضيوف، وفهم اختلافاتهم الثقافية، والتعامل مع كبار السن وذوي الإعاقة، وإدارة المواقف الصعبة تحت الضغط.
فالكرم قيمة أصيلة، وحسن الضيافة قدرة يمكن تنميتها أيضًا.
والأمر لا يتعلق بالضيف وحده. فمقدم الخدمة الذي يعمل لساعات وسط الازدحام والضغط يحتاج هو الآخر إلى التدريب والمعلومة والتقنية وبيئة العمل المناسبة. فنحن نطلب منه الكفاءة والصبر وحسن التعامل والابتسامة؛ ومن العدل أن نسأل أيضًا: ماذا وفرنا له حتى يستطيع أن يفعل ذلك؟
فالابتسامة عفوية وجميلة، لكنها تحت ضغط المناسبات الكبرى قد تحتاج هي الأخرى إلى شيء من الهندسة!
والمثير أن الأدبيات الحديثة وصلت، بمصطلحاتها العلمية، إلى مساحة قريبة من هذه الفكرة. ففي 2004 قدم Vargo وLusch تصورًا مؤثرًا في علم الخدمات، ربط القيمة بصورة أكبر بالتفاعل والمشاركة. وفي 2010 درس Woosnam وNorman ما أسمياه «التضامن العاطفي» Emotional Solidarity بين السكان والزوار، بما يحمله من ترحيب وتفهم وتقارب إنساني.
ثم اتسع النقاش إلى المشاركة في صناعة القيمة Value Co-creation، وحتى تدمير القيمة Value Co-destruction؛ فاللقاء الجيد قد يضيف إلى قيمة التجربة، بينما قد يهدر اللقاء السيئ جزءًا مما أنفقناه على المنشآت والتقنية والخدمة.
لذلك ربما لا يكفي قبل المناسبة الكبرى أن نسأل: هل المكان جاهز؟ بل نسأل أيضًا: هل الضيف مستعد؟ وهل المضيف مُمكَّن؟ وهل هيأنا لقاءً جيدًا بينهما؟
قد تصنع المنشآت مكان المناسبة، ويحدد البرنامج زمانها، لكن الإنسان هو الذي يمنحها روحها.
فالضيف قد يغادر بعد أيام وينسى بعض ما رأى وما قُدم له، لكنه يحمل معه شعورًا تجاه من قابلهم، وربما تجاه المدينة كلها.
فهل يمكن للقاءات إنسانية قصيرة أن تجعل الزائر يحب مدينة بأكملها؟ هذا حديثنا القادم: «المناسبات: مدن تتنافس على الحب!».
————
أهم المراجع
Barhamain, S. Y. (1997). Facilities Planning and Management for the Large-Scale Event Industry: Hajj. PhD Thesis, University of Strathclyde.
مبارك، عبدالحكيم موسى، وبرهمين، سامي ياسين (1420هـ). تقويم بعض جوانب التفاعل الاجتماعي بين الحجاج ومقدمي الخدمة لهم من وجهة نظر الحجاج: حج 1419هـ. معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج، جامعة أم القرى.
Vargo, S. L., & Lusch, R. F. (2004). “Evolving to a New Dominant Logic for Marketing.” Journal of Marketing, 68(1), 1–17.
Woosnam, K. M., & Norman, W. C. (2010). “Measuring Residents’ Emotional Solidarity with Tourists.” Journal of Travel Research, 49(3), 365–380.

د.م. سامي ياسين برهمين

باحث مستقل | مهندس مستشار | خبير في التخطيط وإدارة المرافق والخدمات والمناسبات الكبرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى