كتاب الرأي

امريكا ورفض منح تأشيرة دخول للبرهان عندما تتقدم السياسة على اتفاقية المقر

▪️أثارت أزمة تأشيرة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، لحضور اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، سؤالاً يتجاوز السودان والولايات المتحدة إلى صميم العلاقة بين المنظمة الدولية والدولة المضيفة: هل تستطيع الدولة التي تستضيف مقر الأمم المتحدة أن تستخدم التأشيرة أداة ضغط سياسي على رئيس وفد دولة عضو؟
▪️المعلومات المتاحة حتى 22 سبتمبر 2026 تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تكن قد أصدرت تأشيرة البرهان، رغم أن موعد كلمته أمام الجمعية العامة كان مقرراً يوم الخميس. والأهم أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أعلن قلقه البالغ، وطالب الدولة المضيفة بضمان إصدار التأشيرة وفق التزاماتها بموجب اتفاقية المقر، مؤكداً أن المشاركة الكاملة لجميع الوفود ضرورية لحسن سير عمل المنظمة.
▪️المسألة تصبح أكثر حساسية مع ما نشرته وكالة رويترز نقلاً عن مصدر دبلوماسي سوداني ومحلل غربي قريب من مسؤولين أمريكيين وسودانيين، من أن إصدار التأشيرة بدا مرتبطاً بقبول البرهان مقترحاً أمريكياً لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً. وحتى هذه اللحظة لم تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية هذا الربط رسمياً، كما امتنعت عن التعليق على حالة التأشيرة تحديداً. ولذلك ينبغي التعامل مع هذا السبب باعتباره تقريراً من مصادر مطلعة، وليس موقفاً أمريكياً معلناً.
▪️وهنا تكمن جوهر المشكلة، أين تقف اتفاقية المقر؟،،اتفاقية المقر الموقعة بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة عام 1947 لم تكن مجرد ترتيب إداري لاستضافة مبنى المنظمة الدولية. فقد وضعت قواعد محددة لضمان قدرة ممثلي الدول الأعضاء على الوصول إلى مقر الأمم المتحدة وأداء أعمالهم الرسمية.
▪️وتنص المادة 11 على عدم فرض عوائق أمام عبور ممثلي الدول الأعضاء إلى مقر الأمم المتحدة، بينما تنص المادة 13 على أن التأشيرات اللازمة للأشخاص المشمولين بهذه الحماية تمنح «دون رسم وبأسرع ما يمكن». كما أكدت مواقف قانونية أممية متكررة أن قوانين دخول الأجانب في الولايات المتحدة لا ينبغي تطبيقها بطريقة تعطل الامتيازات المتعلقة بالوصول إلى مقر الأمم المتحدة.
▪️وهذه ليست قراءة سودانية خاصة. ففي عام 2025، وبعد أزمة تأشيرات الوفد الفلسطيني، تبنت الجمعية العامة قراراً أعرب عن القلق من منع ممثلين مشمولين بالمادة 11 من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة، وربطت ذلك بالتزامات الدولة المضيفة بموجب اتفاقية المقر.
والأكثر دلالة أن لجنة العلاقات مع الدولة المضيفة بالأمم المتحدة ناقشت مراراً حالات تأخير أو عدم إصدار التأشيرات، وأكدت أهمية المشاركة الكاملة لجميع الوفود. كما سجلت الجمعية العامة في تقاريرها السابقة موقف المستشار القانوني للأمم المتحدة القائل بوجود حق غير مقيد للأشخاص المشمولين بالمادة 11 في دخول الولايات المتحدة بغرض الوصول إلى مقر المنظمة، لكن ماذا عن حق أمريكا في حماية أمنها؟
▪️هنا ينبغي تجنب التبسيط.
الولايات المتحدة تتمسك منذ عقود بأن اتفاقية المقر لا تنتزع منها سيادتها على أمنها القومي. وتوجد بالفعل تحفظات وتشريعات أمريكية تاريخية تتعلق بحق الحكومة الأمريكية في منع دخول أشخاص تعتبرهم خطراً على أمنها، كما أقر القانون الأمريكي لاحقاً صلاحيات محددة تتعلق بمنع بعض ممثلي الأمم المتحدة في حالات التجسس أو النشاط الإرهابي الذي قد يشكل تهديداً للأمن القومي.
▪️غير أن هذا الاستثناء لا يعني، من الناحية المنطقية والقانونية، أن كل خلاف سياسي مع مسؤول أجنبي يمكن تحويله إلى سبب لمنعه من حضور اجتماع للأمم المتحدة.
والفارق جوهري بين القول إن شخصاً يشكل تهديداً أمنياً محدداً للولايات المتحدة، وبين استخدام التأشيرة وسيلة للضغط عليه حتى يقبل موقفاً سياسياً أو خطة تفاوضية معينة.
إذا صحت التقارير التي تربط تأشيرة البرهان بقبول مقترح وقف إطلاق النار، فإن القضية تصبح مختلفة تماماً؛ إذ تنتقل من نطاق إجراءات الدخول والأمن إلى نطاق التأثير السياسي على مشاركة وفد دولة عضو في عمل المنظمة الدولية. وهذا تحديداً هو الجانب الذي يستحق مساءلة قانونية ودبلوماسية جادة.
هل الأمم المتحدة في قبضة أمريكا؟
▪️الإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة، الأمم المتحدة ليست مؤسسة أمريكية، والجمعية العامة تضم 193 دولة، لكل دولة صوت واحد فيها. والموقع الرسمي للجمعية العامة يؤكد أنها الجهاز الرئيسي التداولي والتشريعي والتمثيلي للأمم المتحدة، وأن جميع الدول الأعضاء ممثلة فيها على قدم المساواة.
▪️لكن الولايات المتحدة تمتلك نفوذاً استثنائياً بحكم كونها الدولة المضيفة لمقر المنظمة، وبحكم ثقلها السياسي والاقتصادي وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن. ومن هنا ينشأ التناقض: منظمة دولية يفترض أن تعمل بصورة مستقلة عن الدول، لكنها تعقد اجتماعاتها الرئيسية داخل إقليم دولة ذات قوة سياسية هائلة.
▪️ولهذا جاءت اتفاقية المقر أصلاً لتضع حدوداً لهذا النفوذ، بحيث لا تتحول الدولة المضيفة إلى بوابة تتحكم وحدها في من يدخل إلى المنظمة ومن يُمنع منها، وقد شهدت الأمم المتحدة بالفعل نزاعات سابقة مع واشنطن حول هذه المسألة. وتكشف الوثائق الأممية أن الخلاف حول تأشيرات مسؤولين وممثلين أجانب ليس جديداً، وأن الأمم المتحدة تمسكت مراراً بأن التزامات الدولة المضيفة لا ينبغي أن تخضع لمبدأ المعاملة بالمثل أو للخلافات السياسية بين الدول.
▪️القضية السودانية أكبر من شخص البرهان ، المسألة هنا لا ينبغي اختزالها في الدفاع عن شخص أو حكومة أو موقف عسكري. السؤال الأوسع يتعلق بحق السودان، باعتباره دولة عضواً في الأمم المتحدة، في أن يمثل أمام الجمعية العامة وأن يقدم رؤيته بشأن الحرب والسلام والسيادة ومستقبل البلاد.
▪️البرهان نفسه سبق أن خاطب الجمعية العامة باسم السودان، كما أن الحرب السودانية أصبحت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية التي تواجه المجتمع الدولي. وفي المقابل، توجد اتهامات دولية متعلقة بأطراف الحرب، بما فيها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهي مسائل ينبغي أن تخضع للتحقيقات والآليات الدولية المختصة، لا أن تتحول إلى ذريعة لإفراغ المنبر الأممي من وظيفته، ومن حق الولايات المتحدة أن تتبنى خطة للسلام، وأن تمارس ضغوطها الدبلوماسية، وأن تفاوض الخرطوم وغيرها من أطراف النزاع. ومن حق السودان كذلك أن يقبل أو يتحفظ أو يرفض أي مقترح، وفق ما يراه مناسباً لمصالحه وشروطه السياسية، أما ربط حق المشاركة في أعمال الأمم المتحدة بقبول مقترح سياسي ــ إذا ثبت حدوث ذلك فعلاً ــ فيفتح باباً بالغ الخطورة: ماذا لو استخدمت دولة مضيفة أخرى التأشيرة بالطريقة نفسها ضد مسؤول أمريكي أو أوروبي أو آسيوي؟
▪️هنا تتجاوز القضية حدود السودان،،فالمنظمة الدولية لا تستطيع أن تكون قوية داخل قاعة الجمعية العامة وضعيفة عند بابها.
فالمنبر الأممي اكتسب قيمته من فكرة بسيطة: أن الدول المتخاصمة تستطيع أن تجلس تحت سقف واحد، وأن تتحدث، وتختلف، وتحتج، وتفاوض، من دون أن تتحكم الدولة المضيفة في مضمون ما سيقال.
ومن ثم فإن قضية تأشيرة البرهان ينبغي أن تعالج باعتبارها اختباراً لاتفاقية المقر ولحياد المنبر الدولي، لا باعتبارها مباراة سياسية بين واشنطن والخرطوم، وقد بدأ الأمين العام بالفعل بالتدخل مع السلطات الأمريكية، وفق البيان الأممي، مطالباً بإصدار التأشيرة بما يتفق مع التزامات الدولة المضيفة.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة: هل كانت المسألة مجرد تأخير إداري أو أمني، أم أن التأشيرة تحولت إلى ورقة ضغط سياسية؟
▪️إذا ثبت الاحتمال الثاني، فإن القضية لا تعود قضية البرهان وحده؛ بل تصبح قضية استقلال الأمم المتحدة نفسها، وقدرة المنظمة الدولية على حماية حق الدول الأعضاء في الوصول إلى منبرها، حتى عندما تختلف مواقفها مع الدولة التي تستضيف مقرها.
▪️فالأمم المتحدة لا تكون مستقلة فقط عندما تتحدث؛ وإنما تكون مستقلة أيضاً عندما تفتح أبوابها لمن يختلف معها ومع الدولة المضيفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى