كتاب الرأي

أشياء تعلَّمتُها من الحياة

لم تعلمني الحياة كل ما أعرفه، لكنها علمتني ما لم أكن لأتعلمه من الكتب، فبعض الحقائق لا نصل إليها بالقراءة أو التأمل، وإنما نكتشفها حين نعيشها، وندفع ثمنها من أعمارنا وثقتنا ومشاعرنا، ومع تقدّم العمر أدركت أن الإنسان لا ينضج بكثرة ما يمر به من تجارب، بل بما يبقى في عقله ووجدانه من تلك التجارب، فقد يعيش المرء عمرًا طويلًا ويكرر أخطاءه، وقد تكفيه تجربة واحدة ليعيد النظر في كثير من قناعاته.

تعلمت أن أترك الناس في الأماكن التي اختاروها لأنفسهم، فلا أتمسك بمن أراد الرحيل، ولا أفرض حضوري على من لم يعد يريده. فالمحبة التي تحتاج إلى استجداء تفقد شيئًا من معناها، والعلاقات التي لا يحفظها الود المتبادل لا ينقذها الإلحاح، لكنني تعلمت أيضًا ألا أتعجل في تفسير الغياب؛ فقد يبتعد عنا إنسان أثقلته الحياة، لا لأنه تغير علينا. ومن الحكمة أن نمنح الناس أعذارهم، دون أن نجعل من أنفسنا أسرى لانتظارهم.

وتعلمت أن الناس لا يبقون كما عرفناهم أول مرة، فالأيام تكشف من الطباع ما تخفيه المجاملات، والمناصب والأموال والمصالح تختبر معادن البشر، وقد يكون أشد الخذلان ألمًا أن تكتشف أنك لم تفقد إنسانًا عزيزًا، وإنما فقدت الصورة التي كنت تحتفظ بها له، ومع ذلك، لا أرى في خيبة الأمل مبررًا لفقدان الثقة بالناس، لان من الظلم أن نحاسب الطيبين على أخطاء غيرهم.

وتعلمت أن العتاب لا يصلح كل شيء، فهناك من يستحق أن نعاتبه لأن العلاقة معه أغلى من الخطأ، وهناك من لا يحتاج إلى عتاب لأنه يعرف تمامًا ما فعل، والصمت في مثل هذه المواقف ليس عجزًا عن الرد، وإنما اختيار واعٍ بألا ننفق ما تبقى من المودة في جدال عقيم. وقد أدركت أن الكرامة لا تحتاج دائمًا إلى دفاع صاخب، وأن الإنسان قد يحفظ مكانته بكلمة، وقد يحفظها أكثر حين يمضي دون كلمة.

وتعلمت ألا أبحث عن تفسير لكل إساءة، ولا عن اعتذار لكل خذلان. فليس من العدل أن أمنح من أساء إليّ مرتين من عمري؛ مرة حين أساء، وأخرى حين أنشغل طويلًا بما فعل. بعض المواقف يكفي أن نفهم رسالتها، ونحفظ درسها، ثم نواصل حياتنا. فالذاكرة نعمة حين تحمينا من تكرار الخطأ، لكنها تصبح عبئًا حين تحول الماضي إلى إقامة دائمة في نفوسنا.

ومن سنوات العمل والمسؤولية ومعاشرة الناس، تعلمت أن الرجال والنساء لا تكشفهم أقوالهم بقدر ما تكشفهم مواقفهم. فالوفاء لا يُختبر حين تتفق المصالح، والمروءة لا تظهر حين يكون المعروف بلا ثمن. ورأيت من لم تجمعني به إلا معرفة عابرة، فإذا به يقف موقفًا لا ينسى، ومن ظننته قريبًا فإذا به أول الغائبين عند الحاجة. ولهذا أصبحت أحرص على أن أسمع من الإنسان لا عنه، وألا أصدر حكمًا نهائيًا على أحد من موقف واحد.

وتعلمت أن التسامح لا يعني إعادة الثقة، وأن العفو لا يلغي ضرورة الحذر. فقد تسامح من أخطأ بحقك، وتدعو له بالخير، لكنك لا تعيد إليه مفاتيح الباب الذي دخل منه الأذى. وليس في ذلك قسوة، وإنما احترام لما علمتك إياه التجربة. فالحكمة ليست أن تنسى كل شيء، بل أن تتذكر دون أن تحمل في قلبك رغبة في الانتقام.

وتعلمت أن كثيرًا مما كنا نعدّه نجاحًا في شبابنا يفقد بريقه مع مرور العمر. فالمناصب تنتهي، والأموال تتبدل، والتصفيق يخفت، ولا يبقى للإنسان إلا أثره في الناس، وطمأنينته مع نفسه، وما قدمه لأسرته ومجتمعه. وقد رأيت أن الغنى الحقيقي ليس في كثرة ما نملك، وإنما في قلة ما نحتاج إليه لنكون سعداء. وأن من عرف قيمة الوقت لم يبذله في خصومة، ومن عرف قيمة الصحة لم يبعها من أجل منصب، ومن عرف قيمة الأسرة لم يجعلها تنتظر ما يتبقى من عمره.

واليوم، وبعد عقود من التجارب والنجاحات والإخفاقات، أدركت أن راحة البال ليست هدية يمنحها لنا الآخرون، وإنما ثمرة تصالحنا مع أنفسنا، وقبولنا بما لا نستطيع تغييره، وشجاعتنا في تغيير ما نستطيع.

لم أعد أريد أن أنتصر في كل خلاف، أو أن أشرح موقفي لكل من أساء فهمي، أو أن أثبت صواب اختياراتي لمن لا يعنيه أمري. يكفيني أن أكون صادقًا مع نفسي، عادلًا مع غيري، وألا أتعمد ظلم أحد، وأن ألقى الله بقلب لا يحمل ضغينة.

ولعل أعظم ما تعلمته أن الحياة لا تطلب منا أن نحتفظ بكل من عرفنا، ولا أن نكسب كل معركة خضناها، وإنما أن نخرج من رحلتها وقد حافظنا على إنسانيتنا. فليس كل من خسرناه خسارة، وليس كل ما فاتنا حرمانًا، وليس كل ما احتفظنا به مكسبًا.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى