كتاب الرأي

زاجلٌ إليك.. أيها القائد

تُختبر حكمة القيادة في سلامة التقدير قبل حسم القرار، وفي قدرة المسؤول على التمييز بين ما يعرفه يقينًا وما يحتاج إلى مزيدٍ من الفهم والتحقق. فالمواقف الإدارية لا تكشف جميع أبعادها من النظرة الأولى، ولا تُقاس كفاءة العاملين بانطباعاتٍ شخصية أو أحكامٍ مسبقة؛ وإنما تتطلب معرفةً تتقصى الحقائق، وبصيرةً تزن الظروف، وعدلًا يُنزل كل أمرٍ منزلته. ومن هنا تبرز «القيادة الموقفية» بوصفها منهجًا يُخضع الأسلوب الإداري لمقتضيات الواقع، بدلًا من إخضاع الواقع لأهواء المسؤول وعاداته؛ إذ لا تكتمل حكمة القرار بصحة إصداره، بل بحسن تقدير أسبابه وعواقبه.

وتقوم «القيادة الموقفية» على مبدأ جوهري مفاده أن فاعلية القيادة ترتبط بمدى ملاءمة الأسلوب لطبيعة المهمة ومستوى استعداد الموظف لأدائها. فالمبتدئ يحتاج إلى وضوح التعليمات، وصاحب الخبرة يستحق مساحةً من الاستقلال، والمتعثر قد يحتاج إلى مساندة تعينه على تجاوز ما يعترض أداءه. وليس في هذا تفاوتٌ في العدالة، بل إنصافٌ للكفاءة، وإدراكٌ لاختلاف الاحتياجات.

وقد وضع الباحثان بول هيرسي وكين بلانشارد عام 1969م الأسس الأولى لهذه النظرية، التي شهدت تطورات لاحقة، وأصبح من أشهر نماذجها ما يقوم على أربعة أساليب قيادية: التوجيه، والتدريب، والدعم، والتفويض، وفقًا لمستوى الكفاءة والالتزام المرتبطين بأداء المهمة.

غير أن القيمة العلمية لأي نظرية لا تُستمد من شيوعها، وإنما من قدرتها على الصمود أمام الاختبار. ففي دراسة أجراها الباحثان غير طومسون وروبرت فيكيو عام 2009م، شملت 357 موظفًا و80 مشرفًا في عشر مؤسسات مالية نرويجية، لم تقدم النتائج دعمًا واضحًا لتنبؤات النظرية في صيغها الثلاث التي خضعت للاختبار. وفي المقابل، أظهرت دراسة أجراها طومسون ولارس غلاسو عام 2018م نتائج داعمة لبعض مبادئها عندما اتفقت تقديرات القادة والموظفين بشأن مستويات الكفاءة والالتزام، دون أن يعني ذلك ثبوت جميع افتراضاتها.

وتكشف هذه النتائج عن مسألة بالغة الأهمية: أن معرفة القائد بالنظرية لا تكفي ما لم يُحسن تشخيص الواقع الذي يطبقها عليه؛ فقد يمتلك المسؤول أدوات القيادة، ثم يسيء استخدامها حين يبني قراراته على تصورات شخصية لا تسندها معرفة دقيقة بقدرات العاملين. كما أن اختلاف تقييم المسؤول عن تقييم الموظف لقدراته يستوجب مزيدًا من الحوار والتحقق، لا الاكتفاء بسلطة أحد الطرفين في فرض تصوره.

وهنا تتجلى إحدى علل الإدارة حين تتحول السلطة من وسيلة لتنظيم العمل إلى وسيلة لفرض الأسلوب الشخصي؛ فيُرهق المتمكن بالرقابة، ويُترك المحتاج إلى التأهيل دون إسناد، وتُقاس الجدارة بمقدار الامتثال لتفضيلات المسؤول، لا بمستوى الإنجاز. وعندئذٍ لا تكون المشكلة في قصور الموظفين وحدهم، بل في إدارةٍ أخفقت في التمييز بين ضعف الأداء وسوء التوظيف، وبين الحاجة إلى المتابعة والرغبة في السيطرة.

والأخطر من الخطأ الإداري أن يُمنح حصانةً بحكم المنصب؛ إذ قد يعتاد المسؤول طريقته حتى يظنها معيارًا للصواب، ويستقبل اختلاف الرأي بوصفه اعتراضًا على سلطته، لا فرصةً لمراجعة تقديره. وهنا تتراجع قيمة الخبرة، وتضيق مساحة المبادرة، ويصبح الحفاظ على رضا المسؤول أحيانًا أسبق من تحقيق مصلحة العمل.

ولا تقتضي القيادة الواعية أن يتنازل المسؤول عن صلاحياته، وإنما أن يدرك حدود جدواها؛ فالسلطة تستطيع إلزام الموظف بأداء المهمة، لكنها لا تستطيع أن تنتزع منه الإبداع بالإكراه، ولا أن تصنع الثقة بالإفراط في الرقابة. وبين إدارةٍ تستنفد طاقات العاملين في إثبات الطاعة، وأخرى تستثمر قدراتهم في صناعة الإنجاز، يتحدد الفارق بين مجرد ممارسة السلطة وحسن القيادة.

إن العدالة الإدارية لا تتحقق بإخضاع الجميع لإجراءات متطابقة مهما اختلفت ظروفهم، كما أن المرونة لا تعني التساهل في المعايير، ولا تُسقط مقتضيات الحزم والمساءلة. فالقيادة الناضجة تحفظ ثبات المبادئ، وتمنح الوسائل ما تستحقه من مراجعة وتطوير، وتعرف أن نجاح القرار لا يُقاس بصدوره، بل بما يحققه من أثر.

وذلك زاجلي إليك أيها القائد: لا تجعل من اعتيادك على الأسلوب حجةً على صوابه، ولا من سلطانك على القرار دليلًا على حكمته.ثم إن الموظف محاسبٌ أمامك عمّا أُوكل إليه من مسؤوليات، أمّا أنت فمحاسبٌ أمام الله عمّا أُوكل إليك من أمانات، ولستَ أعلى شأنًا من الجبال، ولا أعظم قدرًا من أن تُسأل عمّا استُرعيت؛ فالمنصب سلطةٌ تزول، والأمانة تبعةٌ تُسأل عنها يوم لا ينفعك سلطانٌ ولا جاه..

عزة عبدالرحمن الغامدي

مدير إدارة الاستثمار - كلية الباحة الأهلية للعلوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى