تُعرَّف الطبقة الوسطى تقليديًا بأنها الفئة الاجتماعية التي تحتل الموقع الوسط، بين الطبقات العليا والطبقات الدنيا، ويُحدد هذا الموقع عادةً من خلال الدخل والتعليم، ويضم تاريخيًا الموظفين وأصحاب الأعمال الصغيرة والفئات التي تعتمد على المهارات المهنية.
وقد ظل الدخل معيارًا مركزيًا في التصنيفات الإحصائية، ثم دخل التحليل الاقتصادي بتوسع مثل تكاليف السكن والمعيشة، واستقرار العمل، والادخار، وتكوين الأصول.
ويلحظ أنه كلما اتسع شعور الطبقة الوسطى بقلق المكانة وصعوبة المحافظة على مستوى مالي آمن، تنتقل آثار الضغط الاقتصادي إلى المجال العام، وتصبح حماية قدرتها على الاستمرار والصعود قضية مركزية في السياسات العامة والاستقرار الاجتماعي؛ لأن استقرار الطبقة الوسطى ركز رئيس من استقرار المجتمع.
لذلك حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها الصادر عام 2019 عن “الطبقة الوسطى تحت الضغط”، بأنها تتعرض لضغوط متزايدة بفعل تباطؤ نمو الدخل، وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، وتزايد عدم الاستقرار في سوق العمل، ورأت أن تقلص قدرتها على الادخار وتكوين الأصول يضعف أحد محركات الازدهار والحراك الاجتماعي.
غير أن هذا التعريف الاقتصادي أضيق من التحولات العميقة التي تتعرض لها الطبقة الوسطى؛ فقد دخلت في تحديده متغيرات اجتماعية تتصل بمصفوفة قيم الأسرة وانتقال الموارد الرمزية بين الأجيال وشبكات العلاقات، ومتغيرات ثقافية تتصل برأس المال التعليمي والذوق وأسلوب الحياة، ومتغيرات تقنية وتغير المهارات النادرة ومصادر الدخل.
وسوف أسعى لتحديد الطبقة الوسطى عبر ثلاثة أبعاد مترابطة، بحسب اهتماماتي بالطبقة الوسطى ومتابعتي للواقع، كالتالي:
الأول: البعد الاقتصادي، الذي يتشكل من مستوى التعليم والدخل، واستقرار العمل، والسكن، وتكوين الأصول والمدخرات، وحجم الديون، والقدرة على مواجهة النفقات الطارئة والصدمات المالية، وتحدد هذه العناصر مجتمعة درجة الاستقرار الاقتصادي للفرد والأسرة وقدرتهما على الحفاظ على موقعهما داخل الطبقة الوسطى عبر مراحل الحياة المختلفة.
الثاني: البعد الاجتماعي، حيث تؤدي الطبقة الوسطى دورًا محوريًا في نقل العادات والقيم والتراث والذاكرة الشعبية بين الأجيال، بحكم حضورها الواسع داخل مؤسسات التعليم والعمل والأسرة والمجتمع. ومن خلال هذا الموقع تصبح إحدى أهم الحلقات التي تصل بين الموروث الاجتماعي والتحولات الحديثة، وتنقل عناصر الثقافة وتعيد إنتاجها بما يواكب تغير المجتمع.
الثالث: البعد الثقافي، من خلال الممارسات الثقافية والاهتمام بالفنون والآداب والمعرفة وأنواع الرياضات وتنوع الاهتمامات وأساليب الحياة. ويشكل هذا البعد سمة أساسية في المجتمع الحيوي، وقد أسهم الابتعاث الخارجي، والتحولات التي أطلقها برنامج المجتمع الحيوي ضمن رؤية السعودية 2030 في توسيع المجال الثقافي والفني والرياضي، وإتاحة أنماط من المشاركة والتذوق الثقافي على نطاق أوسع مما كان متاحًا في المراحل السابق، وهذا البعد من أشد الأبعاد أهمية، ولكنه أيضًا من أكثرها إقصاء من الدراسات.
ممارسات الطبقة الوسطى
يظهر جانب أساسي من التمايز الطبقي اجتماعيًا في الممارسات، إذ وسعت الدراسات الاجتماعية مفهوم الطبقة من ممارسات الحياة اليومية؛ إذ درس بيير بورديو في كتابه “التمايز” 1979 كيف يتحول الموقع الطبقي إلى أذواق وممارسات يومية في الطعام والفنون والموسيقى والاستهلاك، مبينًا أن ما يبدو اختيارات فردية وتذوق خاص للفنون والآداب، إنما هو انعكاس لاواعي للطبقة، ويسهم في إعادة إنتاج التمايز بين الطبقات، ثم أوضح في “أشكال رأس المال” 1986 أن هذا الموقع يتشكل من تفاعل رأس المال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.
وطبق عالم الاجتماع البريطاني مايك سافج وزملاؤه هذا التصور في دراسة “نموذج جديد للطبقة الاجتماعية” 2013 على المجتمع البريطاني، فجمعوا بين رأس المال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بدل الاكتفاء بالتصنيف المهني، وكشف هذا المدخل عن سبع فئات طبقية تتباين في الثروة وشبكات العلاقات والممارسات الثقافية، بما يوضح أن الموقع الطبقي المعاصر يتشكل من تفاعل موارد متعددة، ويكشف تمايزات داخلية تحجبها التصنيفات التقليدية.
أما عالمة الاجتماع الأمريكية أنيت لارو، فبينت في كتابها “طفولات غير متكافئة” 2003 أن الطبقة الاجتماعية تعيد إنتاج ذاتها عبر أساليب عيش الحياة اليومية، وتتحول إلى أساليب تربية تلقائية تنتج مهارات مختلفة لدى الأطفال، فالطبقة الوسطى تميل إلى تنظيم وقت الطفل بالأنشطة والحوار والتفاوض، بما ينمي قدرته على التعامل مع المدرسة والمؤسسات والمطالبة بحقوقه بطرق صحية، بينما تمنح الأسر الفقيرة مساحة أكبر للنمو التلقائي واللعب الحر، مع علاقة أكثر خضوعًا لسلطة الكبار والمؤسسات.
وتتقاطع الدراسات الثلاث في أهمية مجموع الموارد والممارسات والعلاقات التي تصوغ حياة أفرادها، من التربية وتذوق العلوم والفنون والآداب وساعات الجلوس مع الأسرة شبكات العلاقات والقدرة على التعامل مع المؤسسات، ودورها في استقرار المجتمع.
تكوين الطبقة الوسطى ومسارات الصعود
تتشكل الطبقة الوسطى السعودية من فئات مهنية ووظيفية متعلمة بنت مكانتها عبر التعليم والعمل والدخل والاستقرار الأسري، وأسهمت في تشكيل الذوق العام ونقل القيم والعادات والذاكرة الاجتماعية بين الأجيال، وتزداد قوة موقعها بامتلاك السكن والأصول والمدخرات، وبقدرتها على المحافظة على مكانتها الاجتماعية والثقافية ونقل مواردها وخبراتها وقيمها إلى الجيل التالي.
أسهم التوسع في التعليم الجامعي والتخصصات المهنية في تثبيت الطبقة الوسطى وفتح مسارات جديدة للصعود الاجتماعي، فمن الطب والهندسة والعسكرية والإدارة والتعليم، ومن التعليم الشرعي والمشيخة الدينية، تشكلت نخب طبية وعسكرية وإدارية وثقافية ودينية، بنت مكانتها على العلم والتخصص والموقع المؤسسي، وأصبحت من القوى الرئيسة في تشكيل المجتمع والدولة ونقل المعرفة والقيم والمكانة إلى الأجيال التالية.
ومع طفرة السبعينيات، فتحت الصناديق التنموية مسارًا أسرع للصعود الطبقي؛ إذ أتاحت القروض الكبيرة والميسرة، إلى جانب تخصيص الأراضي الصناعية بإيجارات رمزية وحوافز الاستثمار، لفئات من الطبقة الوسطى تكوين المصانع والعقار والأصول والانتقال خلال مدة قصيرة إلى الطبقات العليا.
كما أسهم انتشار المشروعات الصغيرة والتجارة الرقمية والخدمات عبر المنصات في دعم استقرار الطبقة الوسطى؛ إذ أتاح لها مصادر دخل إضافية تقلل اعتمادها الكامل على الراتب، وتمنح الأسرة قدرة أكبر على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة والمحافظة على مستوى الاستهلاك وتكوين قدر من الادخار.
طبقة الوظيفة وطبقة الأصول
كان الطبيب والمعلم والمهندس والمدير والموظف الحكومي يُصنفون ضمن الطبقة الوسطى بسبب التعليم والمهنة والدخل والاستقرار، ولكن قوة الضغوط على الطبقة الوسطى جعلها تتفاوت في أساليب التعامل معها.
واليوم قد يبدأ طبيبان مثلًا حياتهما المهنية بالشهادة نفسها، ويتقاضيان دخلًا متقاربًا، ويحصلان بحكم العمل على سكن وظيفي ومزايا مالية متشابهة، فتبدو مكانتهما الاجتماعية متقاربة طوال سنوات الخدمة.
غير أن دورة الحياة تكشف تدريجيًا اختلافًا أعمق؛ فقد يستثمر أحدهما جزءًا من دخله خلال سنوات العمل ويعمل على تكوين أصول ومدخرات، بينما يعتمد الآخر على استقرار الراتب والسكن الوظيفي، ويؤجل تكوين أصوله الخاصة.
وعند التقاعد أو انتهاء الخدمة يستعيد صاحب العمل السكن من الاثنين، وتنتهي بعض المزايا المرتبطة بالوظيفة، فتظهر الفروق الاجتماعية والممارسات الثقافية وأسلوب الحياة الاقتصادية التي حجبتها سنوات العمل؛ إذ يدخل الأول المرحلة الجديدة وهو يملك مسكنه وأصوله، بينما يواجه الثاني كلفة السكن من جديد مع دخل أقل، أو يضطر للبحث عن عمل جديد.
وهنا تكشف دورة الحياة أن تشابه المهنة والدخل خلال سنوات العمل قد يخفي موقعين مختلفين داخل الطبقة الوسطى، وأن القدرة على الاستمرار بعد انتهاء مزايا الوظيفة تمثل أحد أهم اختبارات الاستقرار الطبقي.
وتظهر صور مشابهة، بدرجات مختلفة، في القطاعات التي ترتبط فيها المكانة الاجتماعية خلال سنوات الخدمة بحزمة من الدخل والمزايا والاستقرار الوظيفي، ثم تكشف مرحلة التقاعد الفروق في الأصول والالتزامات والقدرة على المحافظة على المستوى المعيشي والاجتماعي.
ويظهر مسار آخر لدى أفراد ينحدرون من أسر محدودة الدخل ثم يحققون ثراءً سريعًا في مجالات كالرياضة أو الفنون، فينتقلون اقتصاديًا إلى الطبقة الثرية مع بقاء رصيدهم الثقافي وأنماط حياتهم أقرب إلى بيئتهم الأصلية، لأن الانتقال المالي كان أسرع من اكتساب الثقافة الطبقية وشبكاتها وأساليبها في الاستهلاك والتفاعل الاجتماعي.
ولهذا تصبح مهمة الجيل السابق أوسع من نقل الخبرة والقيم، وتمتد إلى تدريب الأبناء على آليات التعامل مع بيئة اقتصادية ومهنية مختلفة، تشمل الإدارة المالية، وبناء الأصول، والاستثمار والادخار، وفهم التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على المهن والمهارات ومصادر الدخل، بما يعزز قدرتهم على المحافظة على موقعهم داخل الطبقة الوسطى وبناء استقرارهم بصورة مستقلة.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل تستطيع الطبقة الوسطى أن تنقل إلى الجيل التالي مواردها ومكانتها وقيمها وآليات التعامل مع استقرارها؟
لقد استطاعت أجيال واسعة أن ترسخ موقعها داخل الطبقة الوسطى عبر التعليم والوظيفة والمهنة وتكوين الأصول، غير أن الأجيال التالية تواجه بيئة مختلفة في سوق العمل الجديد وأنماط الدخل والتقنية.
الطبقة الوسطى القلقة
يظهر القلق الطبقي عندما يرتبط مستوى المعيشة الحالي بدرجة مرتفعة من الاعتماد على استمرار الدخل والعمل والمزايا المرتبطة بهما، والأسرة ذات العائل الواحد، ما يجعلها منشغلة عن ترسيخ القيم الاجتماعية والممارسات الثقافية.
عالجت جوديث ديرندورفر في دراسة صدرت في مجلة “Review of Income and Wealth” عام 2025 مفهوم “الطبقة الوسطى القلقة”، وربطته بخطر الهبوط من الطبقة الوسطى أكثر من ارتباطه بالموقع الحالي وحده، واعتمدت الدراسة بيانات طولية في 13 دولة من أوروبا الغربية بين عامي 2008 و2018، وبنت مؤشرًا لانعدام الأمن الاقتصادي يأخذ في الحسبان خطر الهبوط، وفرص الصعود، واتجاه تغير حجم الطبقة الوسطى.
وقد شهد موقع الطبقة الوسطى الثقافي والاجتماعي تحولًا موازيًا مع اتساع الاتصال بالعالم وتعدد مصادر تشكيل القيم والذوق، ونتيجة لذلك تغيرت آليات انتقال القيم والتراث؛ إذ تراجع اعتمادها على التلقي الأسري المباشر وحده، وأصبحت تمر عبر شبكة أوسع من المؤثرات الاجتماعية والمؤسسية والرقمية.
وتواجه الطبقة الوسطى في المجتمع السعودي تحديات جديدة تضع أفرادها أمام ضغط مزدوج، ما بين المحافظة على موقعهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وبين اكتساب المهارات والأنماط الجديدة التي يتطلبها العصر، كالتالي:
يركز مارك تومبسون في دراسته عن “تأثير العولمة في سرديات الهوية لدى جيل الألفية من الذكور السعوديين” عام 2019 على عواقب العولمة في إحساس الشباب بهويتهم، وكيف أعادت كثافة الاحتكاك بالعالم الخارجي تشكيل العلاقة بين الهوية الفردية والوطنية والإسلامية.
وتفيد هذه النتيجة في معرفة اتجاه تحولات الطبقة الوسطى السعودية الجديدة، حيث تنوعت مصادر تشكيل القيم والذوق وأنماط الحياة، وأصبح الفرد يتحرك بين مرجعيات محلية وعالمية متزامنة ويعيد تركيب موقعه الثقافي والاجتماعي في ضوئها.
أخيرًا، أؤكد ما أشرت إليه أولًا: تتحدد قوة الطبقة الوسطى بمدى تماسك أبعادها الثلاثة؛ قدرتها الاقتصادية، ورصيدها الثقافي، والممارسات التي تجسد موقعها في الحياة اليومية، وأي اختلال في أحد هذه الأبعاد يمتد مباشرة إلى البعدين الآخرين، فيعيد تشكيل موقع الطبقة الوسطى وطريقة عيشها وقدرتها على المحافظة على مكانتها عبر الزمن.

