اشتهر بيت الصمّة القشيري:
تَمَتَّع مِن شَميمِ عَرارِ نَجْدٍ فَما بَعدَ العَشيَّةِ مِن عَرارِ
فقد كان العرار من نباتات عالية نجد الموسمية، وهي من بلاد قبيلة قشير، واشتهر برائحته العطرية النفاذة حتى أصبح “شميم العرار” جزءًا من صورة نجد في الشعر.
وتروي الذاكرة المحلية تراجع ظهور العرار خلال العقود الخمسة الماضية؛ بسبب ضغط الرعي على المنطقة، وعندما دخلت مراعي جبلة في الدوادمي ضمن نطاق الحماية، استعادت النباتات الموسمية فرصة النمو والتكاثر، وظهر العرار من جديد، وفاحت رائحته العطرية في المكان.
تختصر هذه العودة وظيفة المحمية في صورتها الأوضح، فالبيئة الطبيعية جزء من تاريخ المكان؛ وأسهم النبات والحيوان والمناخ في تشكيل حياة المجتمع وذاكرته وصورته عن موطنه، وتؤكد تجربة عودة العرار إلى جبلة على إمكانية استعادة مصفوفة النباتات الموسمية التي فقد بعضها.
وتضيف الرسوم الصخرية في الجزيرة العربية سجلًا أقدم لتحولات الحياة الفطرية؛ إذ تظهر فيها أنواع من الحيوانات والطيور المعروفة اليوم، وأخرى اختفت أو يصعب تحديدها، وتكشف الرسوم المرتبطة بالنقوش الثمودية حضور الإبل والوعول والغزلان والنعام وغيرها.
وقد تناولتُ جانبًا من هذا السجل في كتاب “حضارة منقوشة على حجر”، بوصف الرسوم الصخرية مصدرًا لتتبع الإنسان والحيوان والبيئة عبر الزمن، وتوضح هذه الشواهد أن بعض الأنواع تراجع أو انقرض، بينما استمرت أنواع أخرى وازدهرت في البيئات الملائمة لها، وفي مقدمتها الإبل والوعول في جنوب الجزيرة وغربها.
فلسفة البيئة
أنتج التوسع الصناعي والتقني وضعًا بيئيًا جديدًا أصبح فيه الفعل البشري عنصرًا محددًا في تحولات الأنظمة الطبيعية، بحيث ارتبط اختفاء أنواع الحيوانات والطيور وتآكل الموارد بأنماط العيش والإنتاج والاستهلاك، وأصبح التفكير في البيئة تفكيرًا في الإنسان بوصفه فاعلًا تاريخيًا مؤثرًا في شروط الوجود ذاته.
ميّز الفيلسوف النرويجي آرني نيس عام 1973 في مقاله “الإيكولوجيا السطحية والإيكولوجيا العميقة بعيدة المدى” بين اتجاهين في التفكير البيئي: “الإيكولوجيا السطحية” التي تركز على المشكلة الظاهرة على السطح، مثل مكافحة التلوث واستنزاف الموارد لما لهما من أثر في صحة الإنسان ورفاهيته، و”الإيكولوجيا العميقة” التي تبحث في أصل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وتضع الإنسان داخل شبكة حية مترابطة تضم الحيوان والنبات وسائر الكائنات.
ويترتب على هذا الفهم أن تغير موقع نوع واحد أو مورد واحد داخل النظام البيئي قد يمتد أثره إلى بقية المكونات بدرجات متفاوتة.
التوازن البيئي واختلاله
تكشف ملفات التنمية الحضرية والتطوير العقاري في السعودية عن نمط متكرر من التوتر من “الإيكولوجيا السطحية” بين متطلبات التخطيط العمراني وسلامة النظم البيئية، حيث برزت ممارسات واضحة الأثر مثل دفن الأودية وهدم الجبال داخل المدن الكبرى لأغراض التوسع العمراني، وإزالة مئات الجبال عبر مقالع الحجارة في مناطق برية متعددة لتغذية سوق تصنيع الحجارة وواجهات المباني الحجرية.
الإشكال الأعمق يتمثل في الإيكولوجيا العميقة مع وجود ملفات بيئية خفية، تؤكد مواجهة المشكلات المباغتة بالحلول الآنية وغياب الدراسات التي تفهم المشكلة قبل تقديم الحلول، إذ يغيب إدراك العلاقة بين التدخل البشري والتحولات السلوكية والثقافية الناتجة عنها داخل المدينة، ويوجد أمثلة ونماذج تكاد تكون تاريخية.
يظهر النموذج الأول في “الأزمات البيئية الناشئة عن التدخل البشري”، كما حدث في جدة عام 2006، حين أثار تكاثر الغربان بأعداد كبيرة قلق السكان، وأطلقت أمانة جدة في مارس حملة لمكافحتها باستخدام السموم وإزالة مصادر غذائها. وكانت صحيفة “عكاظ” قد نشرت في 5 أبريل من العام نفسه رواية نقلها مسؤول سابق في بلدية جدة، تفيد بأن الأمانة استقدمت الغربان في عهد سابق لمكافحة الجرذان المنتشرة بين صخور الكورنيش، ثم تكاثرت الغربان وتحولت إلى مشكلة بيئية مستقلة.
وتكشف هذه الواقعة عن خطورة إدخال أنواع حيوانية إلى بيئات جديدة لمعالجة مشكلات قائمة قبل دراسة آثارها المحتملة في التوازن البيئي؛ إذ يمكن أن يتحول الحيوان المستقدم من وسيلة للمكافحة إلى مصدر لمشكلة أشد تعقيدًا.
يعكس هذا النموذج نمط تدخل سريع يعالج سطح المشكلة بدل فهم عمقها، حيث يُنتج كل حل بيئي مشكلة جديدة وأعراض جانبية، ويتحول التدخل البشري إلى سلسلة أفعال متراكمة، بدلًا من إدارة نظام بيئي متكامل.
يتجلى النموذج الثاني في “الذعر البيئي عبر وسائل التواصل الاجتماعي”، كما حدث عقب افتراس الكلاب الضالة للطفلة شهد في ضاحية الواشلة جنوب غرب الرياض (مارس 2021)، حيث أثارت الحادثة موجة من الخوف والغضب الشعبي، وتصاعدت المطالب بالقضاء على الكلاب الضالة، ووثقت الصحافة استخدام اللحوم المسمومة لقتلها، في مقابل ظهور وسم “#أوقفوا_تسميم_الكلاب” احتجاجًا على هذه الممارسة.
وكشفت الحادثة عن انقسام اجتماعي بين المطالبة بحماية الإنسان والدفاع عن حقوق الحيوان، وعن أهمية إجراء دراسات بيئية وبيطرية تسبق قرارات المكافحة، تشمل حصر أعداد الكلاب ومواقع انتشارها ومصادر غذائها وأسباب تكاثرها وتقييم مخاطرها ووسائل السيطرة عليها.
وتكمن خطورة الاستجابة المدفوعة بالذعر الجماعي في تحويل حادثة مأساوية إلى قرارات واسعة تتجاوز نطاق المشكلة، وتؤثر في التوازن البيئي وسلامة الحيوانات الأخرى. وتؤكد هذه الحالة ضرورة تأسيس التدخلات البيئية على المعرفة العلمية وتقدير آثارها، مع إعطاء حماية الأرواح البشرية الأولوية في معالجة الأخطار المباشرة.
من الحِمى إلى المحميات الحديثة
تحمي المحمية الطبيعية منظومة مترابطة من الحيوان والنبات والماء والتربة، وقد عرفت الجزيرة العربية منذ الجاهلية نظام “الحِمى”، حين كان سيد القبيلة يختص بأفضل المراعي ويمنع غيره منها، وكان أشهرها “حِمى كليب” في ضريّة، حتى ضُرب بكليب بن ربيعة المثل في شدة الحِمى والمنع.
وجاء الإسلام فنقل الحِمى من سلطة الفرد والقبيلة إلى المصلحة العامة بقاعدة “لا حِمى إلا لله ورسوله”، فحُمي “النقيع” قرب المدينة، ثم حمى عمر بن الخطاب “ضرية” و”الرَّبَذة” لدواب المسلمين ومال الصدقة.
استمر الحِمى قرونًا بوصفه وسيلة لتنظيم الانتفاع بالمراعي والموارد، لكن مفهوم الحماية تغيّر في العصر الحديث، واتجه إلى حماية المكان نفسه ودمج سلوك الإنسان داخله وجعله جزءًا من هوية المحمية، بما تحويه من نبات وحيوان وتكوينات طبيعية، ففي القرن التاسع عشر أخذ هذا التصور شكلًا قانونيًا حديثًا، وبرز بوضوح مع يلوستون عام 1872، حين خُصصت مساحة واسعة للحفظ والمنفعة العامة ومنعت من الاستغلال الخاص، لتبدأ مرحلة جديدة في مفهوم المناطق المحمية.
المحميات في السعودية
استمر الموروث الإسلامي في التعامل المحميات مع قيام الدولة السعودية، وخصصت الأحمية بوصفها أراضي تُخصص لإبل الدولة وخيلها وتُحمى مراعيها لضمان العلف والماء والمحافظة على الحيوانات التي اعتمدت عليها في الحركة والحرب والنقل، وخصّص الملك عبدالعزيز لخيله الأصيلة حمى في “قنيفذة” و”سامودة”، كما خصص لخيله إسطبلات في الخرج وحافظ على عزل السلالات الأصيلة عن الاختلاط بغيرها.
وبعد وفاته بقيت خيل المؤسس في الخرج مدة، ثم تولت وزارة الزراعة المحافظة عليها، فنُقلت إلى الرياض ثم إلى ديراب، حيث تأسس عام 1961م مركز الخيل العربية، الذي أصبح لاحقًا “مركز الملك عبدالعزيز للخيل العربية الأصيلة”.
ومع تطور مؤسسات الدولة انتقلت الأحمية من تخصيص المرعى لحيوانات الدولة إلى تنظيم حماية المراعي والحياة الفطرية، وقد بدأت المملكة بناء منظومة حديثة لحماية الحياة الفطرية مع تأسيس الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها عام 1986، ثم أُنشئت محميات في مناطق متعددة، وتوسعت منظومة المحميات مع رؤية 2030 وظهور أنظمة تحمي الحيوان والنبات، وشرطة خاصة للأمن البيئي تنفذ الأنظمة، وتخصيص المحميات الملكية وبرامج إعادة توطين البيئة الطبيعية.
بلغ عدد المحميات (36) محمية، من بينها ثماني محميات ملكية، وتضم المنظومة كذلك محميات وطنية، مثل عروق بني معارض، وجزر فرسان، ومحمية الوعول في الحوطة، وحمية طويق، وجبل شدا الأعلى في الباحة، ومجامع الهضب. وتمثل هذه المنظومة أحدث نماذج الحماية البيئية في المملكة، وتنظيم الرعي والسياحة البيئية.
وتكشف المحميات عن ارتباط مباشر بين البيئة الحية وغير الحية؛ فحركة الحيوان وتكاثره تتأثر بالماء والغطاء النباتي والتضاريس والمناخ، كما تؤثر الحيوانات بدورها في توزيع النباتات والبذور وفي علاقات الافتراس والرعي داخل الموطن، ولكن التدخل البشري المفرط في الاحتطاب والرعي والصيد تسبب في اختلال بيئي مؤقت.
الأمن البيئي
أدى الاحتطاب والرعي الجائر والصيد والتوسع العقاري في بناء المخططات السكنية والاستراحات والمزارع الخاصة والتعديات على الأراضي العامة خارج المدن وعلى أطرافها، إلى تدهور الغطاء النباتي وتراجع بعض الأنواع، فبرزت المحميات بوصفها أداة لحماية النظام البيئي واستعادة قدرته على التجدد. ومع اتساع نطاق الحماية ظهرت الحاجة إلى الأمن البيئي لضبط الأنشطة التي تضغط على هذه وحماية الموارد والكائنات داخلها.
وبهذا يكثف الأمن البيئي على حماية شبكة الحياة نفسها؛ وهي الفكرة التي عبّر عنها آرني نيس في “الإيكولوجيا العميقة”، حيث ترتبط سلامة الحيوان والنبات والتربة والماء بعلاقات متبادلة، ويؤثر اختلال أحد عناصرها في بقية النظام.
ويكتمل الأمن البيئي حين يجمع بين ثلاثة مستويات مترابطة: المعرفة العلمية والدراسات المستمرة، والرصد والتنظيم الذي يضع قواعد الاستخدام والحماية، والرقابة الميدانية والعقوبات التي تضمن تطبيقها.
مؤشرات نجاح المحمية
يُقاس نجاح المحمية بقدرتها على استعادة النظام البيئي واستمرار وظائفه؛ ويظهر ذلك في استقرار التنوع الأحيائي، وانتظام تكاثر الأنواع، وتحسن الغطاء النباتي، ونجاح الأنواع المعاد توطينها في البقاء والتكاثر والانتشار، وتنظيم الصيد والرعي والاحتطاب.
ويوجد حتى الآن مؤشرات إيجابية بعودة الغطاء النباتي وضمان نمو بعض النباتات الموسمية والدائمة، ما أسهم في تحسين المزاج العام وفهم جانب من الأدب العربي القديم.
ختام
تكشف تجربة المحميات عن بدايات تحول عميق في علاقة الإنسان بالطبيعة؛ فقد انتقل مفهوم الحِمى من تنظيم الانتفاع بالموارد إلى حماية النظام البيئي واستعادة توازنه.
وتضيف المحميات وظيفة ثقافية وتاريخية تستحق أن تصبح جزءًا من سياسات إدارتها، وهي استعادة الذاكرة البيئية للمجتمع؛ فكل جيل يتخذ البيئة التي نشأ فيها معيارًا للطبيعة الأصلية، حتى تصبح مظاهر التدهور المتراكمة عبر الأجيال وضعًا مألوفًا.
ومن هنا تبرز أهمية إنشاء سجل للذاكرة البيئية لكل محمية، يجمع شهادات كبار السن، وأسماء النباتات والحيوانات المحلية، وأوصاف الرحالة، والشعر، والصور التاريخية، والرسوم الصخرية، ويربطها بالمسوحات العلمية الحديثة لتحديد ما تغير وما يمكن استعادته، ولعل عودة العرار إلى جبلة تقدم أبلغ مثال على ذلك؛ فقد أعادت الحماية إلى المكان نباتًا عرفه الأجداد، وأعادت إلى الأجيال الجديدة فرصة التعرف على رائحة نجد التي حفظها الشعر.
0


