دخل جيل ألفا، وهم مواليد بين عامي (2010- 2024)إلى العالم في بيئة أصبحت فيها الألعاب الإلكترونية والمنصات الرقمية جزءًا من الحياة اليومية منذ الطفولة،وفي هذه البيئة تشكل جانب مهم من لغته عبر الألعاب الجماعية ويوتيوب والبث المباشر وتيك توك والميمات (صور ومقاطع فيديو وصور متحركة تنتشر بسرعة بين المستخدمين)، ومجتمعات اللاعبين، التي انتقلت إلى الحياة اليومية لإنتاج الكلمات ونشرها وإعادة تشكيل معانيها بما يلائم هويتهم الثقافية.
ومع اتساع هذه اللغة أسهمت في إنتاج هوية رقمية لها مفرداتها ورموزها ومعاييرها في القبول والمكانة والانتماء، واتخذت جوانب من الهوية طابعًا أكثر حدة، فدخلت في لغتها مفردات الإهانة والإقصاء والتهديد وتمجيد السيطرة والعنف، وارتبط بعضها بالتنمر والابتزاز والسلوك الإجرامي الرقمي، بما يجعل دراسة لغة جيل ألفا مدخلًا لفهم هويته وتحولاتها الاجتماعية، بما فيها أنماط العنف والسلوك المنحرف التي قد تتشكل داخل بعض البيئات الرقمية.
اللغة الرقمية لجيل ألفا
تشكلت لغة جيل ألفا من مصدرين رئيسين، هما:
الأول: عالم الألعاب الرقمية: الذي نقل إلى الحديث اليومي طريقة تصنيف الأشخاص والمواقف بمنطق الفوز والخسارة والمهارة والضعف.
تمثل الألعاب الرقمية أحد المصادر المهمة للغة جيل ألفا، وخصوصًا اللغة المرتبطة بالعنف والصراع والمكانة؛ لأن عددًا من أشهر الألعاب التي يقضي فيها الأطفال والمراهقون وقتًا طويلًا يقوم على القتال والإقصاء واستخدام السلاح وهزيمة الخصوم. ففي لعبة”فورتنايت” يدور اللعب حول القتال المسلح والبقاء حتى إقصاء بقية اللاعبين، وفي “ببجي موبايل” يتقدم اللاعب عبر جمع الأسلحة والذخيرة والتخطيط للهجوم والقتل والسيطرة على ميدان المعركة.
أما لعبة “جراند ثفت أوتو” أو “سرقة السيارات الكبرى” فتقوم على محاكاة الواقع داخل مدينة افتراضية واسعة، وتتيح للاعب سرقة السيارات وارتكاب الجرائم واستخدام الأسلحة والدخول في المطاردات والاشتباكات والقتل، مع حرية الحركة وتقمص الشخصيات والتفاعل مع بيئة تحاكي جوانب من الحياة اليومية.
وتقدم “روبلوكس” عوالم وتجارب متعددة تشمل البناء والمحاكاة والقتال، بينما تجمع “ماينكرافت” بين الاستكشاف والبناء وجمع الموارد والقتال والدفاع ومواجهة الكائنات العدائية.
وتنتج هذه البيئات مفردات متكررة حول العنف، ثم تنتقل إلى التفاعل اليومي بين الأقران وتدخل في السخرية والتنمر وتقييم المكانة والصراع داخل الجماعة.
الثاني: وثقافة الميمات والمقاطع القصيرة العمودية على المنصات الرقمية: مثل تيك توك ويوتيوب شورتس وريلز في انستغرام وفيسبوك، فهي تنتج ألفاظ سريعة الانتشار تتغير معانيها باستمرار؛ إذ تعد ثقافة الميمات أحد المصادر الرئيسة للغة جيل ألفا؛ إذ تنتج كلمات وعبارات وأصواتًا قصيرة قابلة للتكرار والمحاكاة والتحوير، ثم تدفع بها المنصات الرقمية إلى الانتشار السريع بين الأطفال والمراهقين.
وتتشكل دلالة كثير من هذه المفردات من الصورة والصوت والسياق وطريقة استخدامها أكثر من معناها المعجمي المباشر، ولذلك تنتقل تعبيرات مثل “سكيبيدي” و”سيغما” و”آورا” من مقاطع ساخرة أو عبثية إلى لغة متداولة بين الأقران، تستخدم في المزاح والتقييم والسخرية وإعلان المكانة والانتماء إلى الجماعة الرقمية.
وقد درس فهد العودة في “الممارسات اللغوية في اللعب الرقمي” (2026) استخدام اللغة لدى عشرة سعوديين تتراوح أعمارهم بين 9 و16 عامًا داخل ألعاب رقمية شهيرة مثل: روبلوكس وفورتنايت، وكشفت الدراسة أن الجيل السعودي يستقبل لغة الألعاب العالمية، ويعيد إنتاجها بصيغ عربية ومحلية.
ويعد قاموس “ميريام-ويبستر” Merriam-Webster أن جيل ألفا أول جيل جميع أفراده من “السكان الرقميينالأصليين” أو “أبناء البيئة الرقمية منذ الميلاد”، وأنتعرضه المستمر للتقنية ووسائل التواصل انعكس مباشرةعلى المفردات التي يستخدمها.
وتبرز أهمية هذه الظاهرة في أن اللغة الرقمية عند هذاالجيل أصبحت تنتج نظامًا مختصرًا للحكم علىالأشخاص والمواقف والمكانة الاجتماعية، وأصبح جانبمن التواصل بين المراهقين يقوم على إشارات مقتضبةيفهمها أعضاء الجماعة الرقمية، بينما تبدو غامضة لمنهم خارجها.
وفي فبراير 2026 نشر قاموس “ميريام-ويبستر” مقالة”سكيبيدي، موغ والمزيد: عامية جيل ألفا”، جمع فيها عددًا من الكلمات التي يربطها مباشرة باللغة المتداولة لدى هذا الجيل.

ولا يعني وصف هذه الكلمات بأنها “لغة جيل ألفا” أن هذا الجيل ابتكرها جميعًا؛ فكثير منها أقدم منه، وبعضها تعود أصوله إلى الإنجليزية الإفريقية الأمريكية، وثقافة الهيب هوب، وثقافات شبابية وأدائية أمريكية، منها”البول روم”، ومجتمعات الألعاب والميمات، وانتقل بعضها عبر جيل “زد” إلى جيل ألفا، الذي وسّع تداولها وأعاد توظيفها وغيّر دلالات بعضها داخل سياقات رقمية جديدة.
ويكشف الاستخدام السعودي للغة جيل ألفا عن مسار لغوي ثلاثي: تُنقل المفردة من فضاء رقمي عالمي، ثم تُعرّب في النطق والاستعمال، ثم يعاد إنتاجها داخل سياق محلي بدلالة جديدة أو وظيفة اجتماعية مختلفة. ويعتبر الجيل السعودي متلقيًا للغة رقمية عالمية، كما يشارك في تصنيع نسخة محلية منها، تجمع بين قاموس الألعاب والمنصات وبين العربية واللهجات المحلية.
وتكشف هذه الممارسات أن جيل ألفا يتجه إلى أن يكون جيلًا معولم اللغة؛ إذ يتلقى جانبًا واسعًا من مفرداته وتعبيراته من الألعاب والمنصات والمحتوى الرقمي العابر للحدود، ويتشاركها مع أقرانه في بيئات ثقافية وجغرافية مختلفة. وقد أدى ذلك إلى تراجع ارتباط جانب من اللغة بالمكان المحلي وحده، واتساع ارتباطه بالمنصة الرقمية والجماعة العمرية وشبكات التفاعل العالمية، بما يعكس تحولًا في مصادر اكتساب اللغة وفي دوائر انتشارها بين الأجيال الجديدة.
اللغة وتشكيل الهوية
تتشكل هوية جيل ألفا داخل مجتمع يجمع بين مرجعياته الثقافية والوطنية الراسخة وبين فضاء رقمي عالمي أصبح جزءًا يوميًا من التنشئة والعلاقات واكتساب المعنى. ويتلقى هذا الجيل قيم الأسرة والمجتمع والمؤسسات الوطنية، بالتوازي مع ثقافة رقمية عابرة للحدود تصنعها المنصات والألعاب والجماعات العمرية العالمية.
وأظهر تقرير اليونيسف “الابتكار المسؤول في التكنولوجيا من أجل الأطفال: التكنولوجيا الرقمية واللعب ورفاه الطفل” الصادر عام 2024 أن اللعب الرقمي يمكن أن يدعم شعور الأطفال بالاتصال بالآخرين والانتماء، ويتيح لهم استكشاف جوانب من ذواتهم وهوياتهم وبناءها والتعبير عنها. وفي المقابل، حذر التقرير من أن هذه الفوائد ترتبط بطريقة تصميم الألعاب والبيئات الرقمية، وأن التفاعل داخلها قد يعرض الأطفال لمخاطر تمس سلامته وأمانه، ولا سيما عند التفاعل مع الآخرين.
ومن هذا التداخل تتكون هوية مركبة تستوعب الانتماء إلى المجتمع العام، وفي الوقت نفسه تطور رموزها ولغتها ومرجعياتها الخاصة داخل المجال الرقمي، وتكمن خصوصية جيل ألفا في أن هويته تتشكل منذ الطفولة داخل هوية اجتماعية ووطنية تربطه بمجتمعه، وهوية رقمية تحدد جانبًا من علاقاته وذوقه ولغته وطرق تقديم نفسه للآخرين.
العنف الجديد
يظهر أحد أكثر جوانب هذه الهوية الرقمية حساسية في أنماط العنف والإقصاء التي تتشكل داخل بعض مجتمعاتها، وهي بيئات تزخر بمفردات القتل والهزيمة والسيطرة والخصومة، وتختلط فيها لغة اللعب بأنماط من السخرية والإهانة والاستفزاز والتنمر بين اللاعبين.
ويتضح أيضًا أن مجتمعات الألعاب التنافسية تتداول مفردات مرتبطة مباشرة بالقتل والإصابة والإقصاء داخل سياق اللعب، مثل “كيل” للقتل، و”هيدشوت” لإصابة الرأس، و”تيم وايب” للقضاء على الفريق المنافس كاملًا، و”فينيش” للقضاء نهائيًا على اللاعب بعد إسقاطه في بعض الألعاب.
ومع انتقال هذه المفردات وأساليب التفاعل من اللعبة إلى الحديث اليومي، تتسع وظيفتها من وصف الأداء داخل اللعبة إلى تصنيف الأشخاص والحكم على مكانتهم وقبولهم داخل الجماعة.
وتكمن أهمية هذه الظواهر في انتشارها وسط جيل تشكّلت طفولته بالتزامن مع الانتشار الكثيف للهواتف الذكية والألعاب الشبكية والمنصات الاجتماعية، فأصبحت الخبرة الرقمية جزءًا من تكوين علاقاته ومصادر التأثير فيه وأنماط تعرضه للعنف والتنمر والمحتوى الضار.
ويمنح ذلك الظاهرة بعدًا أمنيًا؛ إذ أصبحت البيئة الرقميةمجالًا قد تظهر فيه بعض مؤشرات الخطر قبل انتقالهاإلى السلوك المباشر، من خلال التهديد واستعراضالعنف وإيذاء الذات، ومن ثم يرتبط الأمن الوقائي بفهمهذه البيئة والتمييز بين اللغة الرقمية المعتادة والسلوكالذي يشير إلى تصاعد الخطر.
وتوضح بيانات الولايات المتحدة مؤشرًا يستحق الانتباه إلى الفئة العمرية التي بدأ يدخلها جيل ألفا؛ فقد أظهرت بيانات المركز الوطني للإحصاءات الصحية أن معدل الانتحار لدى الفئة من 10 إلى 14 عامًا ارتفع نحو ثلاثة أضعاف بين عامي 2007 و2018، بينما تضاعف معدل القتل بين عامي 2016 – 2020.
وتكشف بعض الحالات الفردية المبكرة مستوى أشد من الظاهرة؛ ففي بريطانيا أُدين طفلان في الثانية عشرة بقتل شاب عام 2023، وأظهرت المحاكمة اهتمام أحدهما بالسلاح قبل الجريمة، وتلفت هذه الحالة النظر إلى ظهور أنماط من العنف الشديد في أعمار صغيرة، من دون أن تمثل في ذاتها اتجاهًا عامًا لدى الجيل.
وتكشف هذه الاتجاهات تصاعدًا واضحًا في بعض أشكال العنف وإيذاء الذات لدى هذه الفئة العمرية في الولايات المتحدة، ولكنها لا تمثل في ذاتها اتجاهًا عامًا لدى الجيل.
وتتسع المسألة من الجريمة المباشرة إلى العنف الرقمي وإيذاء الذات؛ فالطفل اليوم قد يكون ضحية للعنف أو ممارسًا له أو مشاهدًا ومشاركًا في تداوله داخل بيئة رقمية تتجاوز حدود المدرسة والأسرة والحي، وتمنح العنف مجالًا أوسع للعرض والمحاكاة والتكرار والانتشار بين الأقران.
ويطرح ذلك سؤالًا سوسيولوجيًا مركزيًا: هل ينتج جيل ألفا أشكالًا جديدة من العنف، أم أن البيئة الرقمية أعادت تشكيل الطرق التي يُكتسب بها العنف وتُبنى معانيه ويُعرض ويُمارس وينتشر؟
ختام
يمثل اتساع الفجوة بين أجيال ألفا والأجيال الأكبر خطرًا يتجاوز اختلاف المفردات؛ إذ قد يتحول إلى اختلاف في مصادر المعرفة، وطريقة بناء العلاقات، ومعايير القبول والنجاح، وأساليب التعبير عن المشاعر والمواقف.
ومع تزايد اعتماد الأجيال الجديدة على المنصات والألعاب والذكاء الاصطناعي، يرتفع احتمال ضعف الفهم المتبادل داخل الأسرة والمدرسة، واتساع المسافة بين لغة المؤسسات ولغة الحياة اليومية، بما قد يضعف نقل الخبرة والقيم والثقة بين الأجيال.
كما أن اتساع هذه الفجوة يحد من قدرة الأسرة والمدرسة والمؤسسات المعنية على التقاط الإشارات المبكرة للمخاطر الرقمية وفهم التحولات في لغة التهديد والتنمر والابتزاز والعنف لدى الأجيال الجديدة.
ويقتضي ذلك ابتكار أساليب تواصل تعليمية أقرب إلى البيئة التي يعيش فيها الطلاب، وتخفف قوة تأثير مصطلحات العنف والإقصاء والتحدي بينهم، عبر ابتكار محتوى قصير وتفاعلي، ومحاكاة ومواقف رقمية، وألعاب تعليمية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الحوار والتدريب، مع تعليم الطلاب الانتقال الواعي بين لغة الأصدقاء والمنصات وبين لغة الدراسة والعمل والمواقف الرسمية.
والهدف أن تصبح الأسرة والمدرسة قادرة على فهم لغة الجيل واستخدام أدواته، ثم توجيهه إلى توسيع قاموسه ومهاراته بدل منعه أو تركه محصورًا داخل لغته الرقمية الخاصة.

