المقالات

شاشا والكأس.. قوة ناعمة رياضية

لم تعد التغطية الرياضية الحديثة مجرد كاميرا تلاحق الكرة داخل المستطيل الأخضر، أو استوديو يحلل نتيجة المباراة، أو مراسل يبحث عن تصريح بعد صافرة النهاية، بل أصبحت صناعة إعلامية متكاملة قادرة على تقديم المكان والإنسان والثقافة والهوية، وتحويل الحدث الرياضي إلى قصة تتجاوز حدود الملعب.

وهذا ما يمكن قراءته في التغطية الإعلامية المصاحبة لكأس الخليج، التي برزت خلالها منصة «شاشا» وقنوات «الكأس» وبرنامج «المجلس» في تقديم محتوى رياضي وإعلامي يتجاوز تفاصيل المباريات إلى المشهد الخليجي الأوسع، إلى جانب الجهود التي بذلتها القنوات والمنصات الإعلامية الأخرى في نقل البطولة وتقديم تفاصيلها للجمهور.

ويمكن النظر إلى هذه التجربة من منظور علمي واتصالي يجمع بين نظرية التأطير الإعلامي ومفهوم القوة الناعمة؛ فالتأطير يفسر كيف تصنع الوسيلة الإعلامية الزاوية التي يرى الجمهور من خلالها الحدث، بينما تفسر القوة الناعمة كيف تتحول الثقافة والصورة والجاذبية إلى أدوات للتأثير وصناعة الانطباعات.

ويرتبط مفهوم القوة الناعمة بالمفكر والأستاذ الجامعي الأمريكي جوزيف ناي (Joseph Nye)، الذي طرح المصطلح عام 1990 في كتابه Bound to Lead: The Changing Nature of American Power، ثم وسّع المفهوم في كتابه الصادر عام 2004 Soft Power: The Means to Success in World Politics.

وتقوم القوة الناعمة في جوهرها على القدرة على الجذب والتأثير والإقناع بعيدًا عن الإكراه والقوة المباشرة، مستندة إلى الثقافة والقيم والسياسات والصورة الذهنية. ومن هنا نستطيع فهم المكانة التي أصبحت تحتلها الرياضة في الاتصال الحديث؛ فالبطولة لم تعد مجرد جدول للمباريات والنتائج، بل مناسبة يستطيع من خلالها البلد المضيف تقديم مدنه وثقافته ومجتمعه وتنظيمه وجماهيره إلى ملايين المشاهدين.

وهنا يأتي دور التأطير الإعلامي؛ فالوسيلة لا تخبر الجمهور فقط بما حدث، وإنما تسهم في تحديد الكيفية التي يفهم بها ما حدث. وعندما تختار التغطية التركيز على الجماهير أو تاريخ المدينة أو قصة مشجع أو تجربة زائر أو تفاصيل الحياة اليومية، فإنها تنقل البطولة من إطار المنافسة الرياضية إلى إطار ثقافي وإنساني أوسع.

وفي كأس الخليج تبرز جدة باعتبارها قصة إعلامية في حد ذاتها؛ فهي ليست مجرد موقع تقام فيه المنافسات، وإنما مدينة تحمل تاريخًا وثقافة وذاكرة اجتماعية وبحرًا وهوية عمرانية وإنسانية متفردة. وحين تخرج الكاميرا من الملعب إلى الواجهات البحرية والأسواق والشوارع والمشجعين، تتحول التغطية إلى نافذة تقدم جدة إلى المشاهد الخليجي والعربي.

وقد يأتي المشاهد من أجل مباراة، لكنه يغادر بصورة عن المدينة، ويأتي لمتابعة منتخب بلاده، ثم يجد نفسه أمام ثقافة مجتمع وتجربة إنسانية لم يكن يبحث عنها.

وهنا تكمن قيمة التغطية الرياضية الحديثة: أن تنقل المباراة، وتصنع الحكاية، وتقدم المكان، وتبني الصورة الذهنية. وفي هذه المعادلة تصبح منصات مثل «شاشا» وقنوات «الكأس» وبرنامج «المجلس»، ومعها بقية القنوات والمنصات التي واكبت البطولة، جزءًا من صناعة قوة ناعمة خليجية تجعل الرياضة لغة للتقارب، والإعلام نافذة للثقافة، والبطولة قصة أكبر بكثير من تسعين دقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى