كتاب الرأي

من هنا بدأ الجميع

منذ الأزل، تعددت أسماؤه ولم يتغيّر مقامه؛ كان مؤدِّبًا تُعهد إليه تربية الناشئة وتعليمهم، ومعلّمًا في الكُتّاب تُفتتح على يديه الحروف وتُحفظ عنده آيات القرآن، وشيخًا في حلقات العلم يجلس طلابه بين يديه، ثم أصبح أستاذًا ومعلّمًا ومعلمة في المدارس والمعاهد والجامعات. تغيّرت المسميات، وتطورت أدوات المعرفة، وبقي هو صاحب الشأن ذاته؛ له من التقدير ما يليق بصاحب العلم، ومن الإجلال ما يليق بصاحب الفضل، ومن صدر المجلس مكانٌ لم تمنحه له مجاملة، بل استحقه بما حمل، وبما علّم، وبما ترك في الناس.

ويكفي التعليم شرفًا أنه كان من أجلِّ مهام الأنبياء، وأن يقول سيدُ البشرية محمدٌ صلى الله عليه وسلم: «ولكن بعثني معلّمًا ميسّرًا». ومن هنا لم يكن توقير المعلم في ثقافتنا أمرًا مستحدثًا، ولا تقديره مرتبطًا بيومٍ في التقويم؛ فقد عرفنا منذ الصغر أن للمعلم حقًا، وأن لصوته مهابة، وأن من علّمنا يستحق من الوفاء بقدر ما أودع في عقولنا من علم، وفي نفوسنا من أثر.

ولأن المعلم حضر في حياتنا منذ بداياتها، فقد أخذ من ذاكرتنا مساحةً لا تشبه سواها؛ ننسى الكثير من تفاصيل سنوات الدراسة، ثم تبقى أسماء معلمين ومعلمات عصيّةً على النسيان. نتذكر ملامحهم، وعباراتهم، وطريقتهم في الشرح، وحتى تلك المواقف الصغيرة التي لم نكن نظن أنها سترافقنا كل هذه السنوات.

وما زلت أذكر واحدةً من أشهر مفاوضاتنا مع المعلمات حول الدرجات: إذا كانت الطريقة خطأ والنتيجة صحيحة، ألا نستحق نصف الدرجة؟

كنا نفاوض على النصف وكأنه حق مكتسب، ونتمسك بصحة النتيجة، بينما الحقيقة التي لم نكن نرغب في سماعها أن الطريقة الخاطئة لا تقود منطقيًا إلى نتيجة صحيحة؛ وإن حدثت، فمصادفة لا يُبنى عليها استحقاق.

كبرنا بعد ذلك، وفهمنا أن المسألة لم تكن نصف درجة.

كان المعلم يعلّمنا، من حيث ندري أو لا ندري، أن صحة النتيجة لا تبرر خلل الطريق إليها، وأن الوصول وحده لا يكفي ما لم تعرف كيف وصلت، وأن المعرفة ليست إجابةً تحفظها، بل منهجٌ تستطيع أن تعيد به الوصول إلى الإجابة كل مرة.

وكم من أشياء اعترضنا عليها في فصولنا ثم أنصفنا أصحابها بعد أن كبرنا!

فالحزم الذي حسبناه قسوةً أصبح انضباطًا نعرف قيمته، والإصرار على إعادة الواجب أصبح إتقانًا نفتقده، والتدقيق في حرفٍ أو رقمٍ أو حركةٍ أصبح احترامًا للمعرفة، وحتى تلك الدرجة التي حُسمت منا يومًا، أدركنا لاحقًا أن وراءها درسًا ربما كان أثمن من الدرجة نفسها.

تلك هي منزلة المعلم؛ قد يعطيك درسًا في كتاب، ويصل إليك معناه بعد عشرين عامًا.

وفي يوم المعلم العالمي، لا نمنح المعلمين والمعلمات مكانتهم؛ فهم أصحابها قبل هذا اليوم وبعده، وإنما نقف أمام فضلهم بما يليق به من الاعتراف والإجلال. أمام الذين علّمونا القرآن والحرف والعدد واللغة والعلم، وأمام من صححوا أخطاءنا، واحتملوا أسئلتنا، وفرحوا بتفوقنا، وأعادونا إلى الصواب كلما ظننا أن مجرد الوصول يكفي.

ولكل معلم ومعلمة مرّا في حياتنا: قد لا تذكرون أسماءنا اليوم، وربما اختلطت عليكم وجوهنا بآلاف الوجوه التي جلست أمامكم، لكننا ما زلنا نذكركم؛ فما زال في لغتنا حرفٌ صححتموه، وفي علمنا معرفةٌ بدأت عندكم، وفي ذاكرتنا مواقف تحمل أسماءكم حتى اليوم.

أما من رحل منكم، فرحم الله من علّمونا ثم غابوا، وجعل كل علمٍ تركوه فينا شاهد فضلٍ لا ينقطع. ومن بقي بيننا، فله من الدعاء والامتنان والتقدير ما يليق بسنواتٍ أفناها في تعليم أجيالٍ تتوالى.

طبيبًا كنت اليوم، أو صيدليًا، أو مهندسًا، أو قاضيًا، أو محاميًا، أو كاتبًا، أو إعلاميًا، أو باحثًا، أو صاحب أي علمٍ ومهنة؛ ما نحن عليه اليوم ، بفضل الله أولًا، ثم بفضل معلمٍ ومعلمةٍ قضيا معنا جُلَّ الوقت، حتى أصبحنا جزءًا من أثرهما، وأصبح شيءٌ منهما جزءًا منا.

شكرًا عِرفانًا ووفاءً…
شكرًا معلّمي، شكرًا معلّمتي…

عزة عبدالرحمن الغامدي

مدير إدارة الاستثمار - كلية الباحة الأهلية للعلوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى