لم أحتج في نيويورك إلى تقرير عن الفقر، ولا إلى إحصائية عن التشرد، فقد كان المشهد أمامي على الرصيف.
جئت إلى المدينة في أيام اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى واحدة من أهم عواصم المال في العالم، ناطحات سحاب وفنادق مكتظة بالوفود ومتاجر تعرض ما لا يحتاج الإنسان إليه بقدر ما تغريه باقتنائه وثروات هائلة تتحرك كل يوم في بضعة شوارع من مانهاتن.
لكن أكثر ما استوقفني لم يكن ما يجري داخل القاعات، بل ما رأيته خارجها.
رجل ينام فوق قطعة كرتون، وامرأة تحمل أكياسها كأنها كل ما بقي لها من الدنيا، وآخر يبحث عن زاوية تحميه من البرد، و وجوه تمر بجوارهم كل دقيقة، بعضها لا يلتفت وبعضها اعتاد المشهد حتى صار الإنسان النائم على الرصيف جزءًا من أثاث المدينة.
وعلى الرصيف نفسه مشهد آخر ، كلاب يقودها أصحابها، بعضها يرتدي الملابس وبعضها يُحمل في عربات، وحولها صناعة كاملة من المتاجر ومراكز التجميل والفنادق.
ولم يكن سؤالي: لماذا يرحم الناس الحيوان؟ فالرحمة به قيمة عظيمة سبق إليها ديننا؛ دخلت امرأة النار في هرة حبستها، وغفر الله لرجل سقى كلبًا اشتد به العطش، وإنما كان سؤالي: كيف صرنا نعطي الحيوان ما لا يحتاجه، ونمنع الإنسان مما يحتاجه؟ كيف تحولت الرحمة بالكلب إلى إلباسه حياة إنسان، بينما صرنا قادرين على المرور بجوار إنسان في الشارع دون أن يهتز فينا شيء؟
فالرحمة التي رأيتها هناك لم تكن ناقصة، بل كانت في غير موضعها.
أرى أن في علاقتنا الحديثة بالحيوانات المنزلية شيئًا يستحق المراجعة، فالكلب ليس قطعة أثاث نضيفها إلى البيت، ولا لعبة تمنحنا الأنس حين نشاء، إنه كائن له غرائزه واحتياجاته وطبيعته، وحين نحصر حياته في شقة صغيرة، ونحدد له متى يأكل ومتى يخرج ومع من يلتقي، ثم نُلبسه ونزيّنه ونحتفل بميلاده، فمن المشروع أن نسأل: هل نفعل ذلك من أجله، أم من أجلنا؟
قد يقال إن الإنسان استأنس الكلاب منذ آلاف السنين، وهذا صحيح، لكنه لا يبرر أن تتحول حياة الحيوان إلى مشروع استهلاكي، أو أن نعامله كإنسان صغير صُمم لتلبية حاجاتنا العاطفية.
فالرفق بالحيوان شيء، وأنسنة الحيوان شيء آخر ، والرجل الذي غُفر له لم يُلبس الكلب ثوبًا، ولم يحجز له فندقًا، رآه عطشان فسقاه، رحمه في طبيعته، لا خارجها.
والمفارقة أن الإنسان الحديث قد يبذل جهدًا هائلًا حتى لا يشعر كلبه بالوحدة، ثم يمر بجوار إنسان وحيد على الرصيف، يقلق على الحالة النفسية لحيوانه، ويبحث له عن أفضل غذاء وأفضل طبيب، ثم تصبح معاناة إنسان على بعد أمتار منه أمرًا لا يستحق الالتفات، فإن كان سقي كلب عطشان بابًا إلى المغفرة، فكيف بإنسان جائع ينام في البرد؟
ولست ألوم الكلب، ولا من يحبه وينفق عليه من ماله، السؤال أكبر: كيف تجمع واحدة من أغنى مدن العالم في شارع واحد إنسانًا لا يجد ماوى، وكلبًا يُنفق على عنايته وترفيهه الكثير، ثم يبدو المشهدان طبيعيين؟ ربما لم تكن المشكلة في نقص المال، بل في اضطراب الأولويات، فالإنسان لا يفقد إنسانيته دفعة واحدة، بل حين يرى الألم مرة بعد مرة فلا يتوقف، حتى يصبح غير الطبيعي طبيعيًا.
وكانت المفارقة أوضح ما تكون عند مبنى الأمم المتحدة نفسه، في الداخل يتعاقب الرؤساء والوزراء على المنصة، يتحدثون عن أهداف التنمية المستدامة، وعن القضاء على الفقر بحلول عام 2030، وعن مدن آمنة تتسع للجميع، ويرددون الوعد الذي قامت عليه الخطة كلها، ألا يُترك أحد خلف الركب، وفي الخارج، على بعد شوارع قليلة، رجل تُرك خلف الركب فعلًا، ينام على قطعة كرتون، لا يعرف شيئًا عن الأهداف السبعة عشر، ولا تصله كلمة من الخطب، الوثيقة في القاعة، والإنسان على الرصيف، وبينهما مسافة لا تقطعها البيانات الختامية.
وما رأيته هناك لا أكتبه عن نيويورك وحدها، بل أكتبه وعيني على بلادي، فقد بدأنا نرى في بعض أحيائنا كلابًا تُقتنى للزينة والمباهاة، تُصحب في الشوارع والأسواق، وتظهر حولها متاجر ومراكز عناية وحسابات تحتفي بها بوصفها علامة رقي، والخوف ليس من كلب يحرس ماشية أو مزرعة أو للصيد، فذلك مما رخّصت فيه شريعتنا حين نهت عن اقتنائه لغير حاجة، وإنما من أن تنتقل إلينا العدوى كاملة، أن نستورد أنسنة الحيوان ونحن نظن أننا نستورد التحضر، وأن تتسع في بيوتنا دائرة العناية بالحيوان بينما تضيق دائرة العناية بالجار والقريب والمحتاج.
ومجتمعنا ما زال يملك ما فقدته مدن كثيرة من أسرة تحتضن، وجارًا يسأل، ومسجدًا يعرف أهل الحي بأسمائهم، وهذه ثروة لا تقاس بمال الدنيا، ومن الحكمة أن نحرسها قبل أن نكتشف أن مدننا ارتفعت، وأن الإنسان فيها صار أقل حضورًا.
ومن هنا جاء العنوان؛ لا كراهيةً للكلاب، بل لأننا أعدنا ترتيب سلم الرحمة بطريقة غريبة حيث بالغنا في أنسنة الحيوان، واعتدنا رؤية الإنسان في أقسى حالات ضعفه.
فالتحضر ليس في أن نبني للحيوان حياة تشبه حياة الإنسان، ثم نترك الإنسان يعيش حياة لا تليق بإنسان.
0

