كتاب الرأي

الجامعات وصناعة العقل

تواجه الجامعات اليوم تحولًا معرفيًا عميقًا؛ فلم تعد المشكلة في نقص المعلومات بل في كيفية صناعة العقل الذي يتعامل معها. ففي زمن تتدفق فيه المعرفة بلا حدود وتتغير أدواتها ومصادرها بوتيرة متسارعة ما تزال بعض المناهج وأساليب التعليم تتحرك بمنطق ينتمي إلى زمن كانت فيه المعلومة نادرة؛ فتمنح نقل المحتوى واستظهار الإجابات مساحة أكبر من بناء القدرة على السؤال والتحليل والنقد.

وتكمن المفارقة في أن اتساع مصادر المعرفة لا يعني بالضرورة اتساع الوعي بها. فالمعلومة لا تصبح معرفة إلا بالفهم والمعرفة لا تتحول إلى وعي إلا بالنقد والاختبار وربطها بسياقاتها. وحين تُقدَّم الإجابات جاهزة قبل أن يتعلم الطالب صناعة السؤال يصبح التعليم قادرًا على ملء الذاكرة أكثر من قدرته على إيقاظ العقل.

لذلك يبدأ إصلاح المناهج من إعادة النظر في فلسفتها عبر مراجعة دورية تنقيها من الحشو والتكرار وتربطها بأسئلة العصر وتدمج التفكير النقدي والبحث العلمي والتحقق من المصادر والوعي الرقمي والذكاء الاصطناعي. كما ينبغي أن ينتقل التقويم من قياس الحفظ إلى قياس الفهم والتحليل والاستدلال وحل المشكلات وإنتاج المعرفة.

غير أن المنهج لا يعمل بذاته؛ فالأستاذ هو روح المنهج ووسيطه الحي. ومن ثم فإن تطويره ينبغي ألا يقتصر على التدريب التقني بل يشمل تنمية أدواته الفكرية في النقد والحوار والبحث وفلسفة التعليم وإدارة الاختلاف. فالأستاذ الذي يمارس السؤال ويحتكم إلى الدليل ويقبل مراجعة أفكاره يعلّم طلابه التفكير قبل أن يعلّمهم المقرر.

وفي المقابل ينبغي أن يتحول الطالب من متلقٍ ينتظر المعرفة إلى باحث يشارك في بنائها؛ يقرأ ويسأل ويفحص المصادر ويقارن ويختبر الفرضيات ويعيد النظر في موقفه حين تتغير الأدلة. وهنا يتحول التعليم من عملية استلام إلى ممارسة عقلية تنمي الاستقلال والمسؤولية.

وتحتاج الجامعة إلى بيئة معرفية تحمي السؤال وتحتفي بالحوار العلمي وتمنح البحث والتجربة والاختلاف المنضبط مساحة حقيقية؛ لأن العقل لا ينمو في الخوف من الخطأ ولا يبدع داخل جدران الإجابة الواحدة.

إن صناعة الجامعة تبدأ من صناعة شروط التفكير: أستاذٌ متجدد وطالبٌ باحث ومنهجٌ حي وبيئةٌ تحترم السؤال. وحين يصبح السؤال بداية التعليم تتحول الجامعة من مؤسسة لنقل المعرفة إلى فضاء لصناعة العقل؛ وعندها لا يكون إصلاح التعليم تحديثًا للمناهج فحسب بل تأسيسًا لإنسان أكثر وعيًا وقدرةً على صناعة المستقبل

أ. د. عايض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى