المقالات

يوم رد الجميل للمعلم..

يتكرر يوم المعلم كل عام، وتتكرر معه عبارات التقدير والاحتفاء، وتتنوع الفعاليات والبرامج والأنشطة، حتى أصبحت كثير من مظاهر هذا اليوم مألوفة ومتوقعة.

لكن ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في الطريقة التي نحتفي بها بالمعلم؛ فبدل أن يكون يوم المعلم مناسبة نكرر فيها الحديث عن فضله ومكانته، لماذا لا نجعله يومًا لرد الجميل؟

أقصد بذلك أن نرى في هذا اليوم صورًا حقيقية للوفاء، لا كلمات فقط.

تخيلوا أن يكون من أبرز المشاهد التي تنقلها وسائل الإعلام في يوم المعلم: قائد من قادة الوطن، أو صاحب سمو، أو وزير، أو مسؤول، أو شخصية وطنية بارزة، يزور معلمه القديم في منزله، ويقبّل رأسه، ويجلس بين يديه، ثم يقول: «هذا الرجل كان معلمي، وكان له أثر في حياتي وفي الطريق الذي سلكته».

أليست هذه الصورة أبلغ من عشرات الخطب؟

وتخيلوا طبيبًا بارزًا يعود إلى معلمه، أو مهندسًا يروي قصة أستاذه الأول، أو عالمًا يتحدث عن معلم اكتشف موهبته، أو مفكرًا يستعيد موقفًا تربويًا بقي في ذاكرته سنوات طويلة، أو مخترعًا يقول إن كلمة من معلمه كانت بداية الطريق نحو إنجاز حققه بعد ذلك.

إنها ليست مجرد قصص عاطفية؛ إنها شهادات حية على أثر التعليم والمعلم في بناء الإنسان.

وهنا يأتي الدور المهم للإعلام. ففي يوم المعلم يمكن لوسائل الإعلام أن تتجاوز التغطية التقليدية للفعاليات والخطب، وأن تبحث عن قصص النجاح الحقيقية، وتستضيف الناجحين من أبناء الوطن ليتحدثوا عن معلميهم، وعن المواقف التي صنعت فارقًا في حياتهم.

ولماذا لا نرى في هذا اليوم قادة ووزراء وأطباء ومهندسين وعلماء وأساتذة جامعات ومفكرين ومبتكرين يعودون إلى مدارسهم ومعلميهم، ويقدمون لهم شيئًا من الوفاء الذي يستحقونه؟

فالطالب الذي يجلس اليوم على مقعد الدراسة قد يصبح غدًا طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا أو قائدًا أو صاحب مشروع أو فكرة تصنع أثرًا في وطنه.

وحين يرى هذا الطالب أن كبار الناجحين لم ينسوا معلميهم، وأن الإنسان مهما ارتفع شأنه ومكانته لا ينسى من أمسك بيده في بداية الطريق، فإننا نكون قد قدمنا له درسًا في الوفاء ربما لا تنقله إليه عشرات المحاضرات.

إننا لا نحتاج في يوم المعلم إلى مزيد من العبارات التي تقول إن المعلم هو صانع الأجيال؛ فنحن نعرف ذلك ونردده كل عام.

ما نحتاجه هو أن نرى أثر هذه الحقيقة في الواقع.

أن يرى المجتمع وزيرًا يعود إلى معلمه، وطبيبًا يقبّل رأس أستاذه، وعالمًا يستعيد فضل معلمه، ومهندسًا يروي قصة أستاذ آمن بقدراته، ومبدعًا يقول: «كان هناك معلم رأى فيّ شيئًا لم أره في نفسي آنذاك».

عندها لن يكون تكريم المعلم مجرد احتفال عابر، بل ستتحول المناسبة إلى رسالة وطنية عميقة تقول للأجيال: لا تنسوا أصحاب الفضل في بداياتكم.

وقد يكون أجمل ما يمكن أن يقدمه الإعلام في يوم المعلم صورة واحدة تختصر كل الكلمات:

ناجحٌ يعود إلى معلمه.

في تلك الصورة يتجسد الوفاء، ويظهر أثر التعليم، ويشعر المعلم أن سنوات عطائه لم تذهب سدى.

فالمعلم لا يحتاج فقط إلى أن نخبره بأنه مهم؛ بل يحتاج، في يومه، إلى أن يرى بعينيه بعض ثمار ما زرعه.

ومن هنا يمكن أن يتحول يوم المعلم من مناسبة تتكرر كل عام إلى ثقافة وفاء تتجدد كل عام؛ يوم نستعيد فيه قصص الذين صنعوا الفرق، ونرد فيه الجميل لمن أسهموا في صناعة الإنسان، ونؤكد للأجيال أن النجاح مهما بلغ، لا ينبغي أن يجعل الإنسان ينسى بداياته.

فربما كانت أجمل تحية نقدمها للمعلم في يومه أن نعيد إليه أحد طلابه الذين نجحوا، ليقول له أمام الناس:
كنتَ أنتَ أحد أسباب وصولي إلى هنا.

أحمد سعيد الحُريري

مدير رعاية الموهوبين سابقًا

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. سلم الفكر والبنان … ونستمر نقدر كل معلم جاد علينا بعلمه وأحاطنا بحسن خلقه ومن علينا بسياج تربيته …فالحمد لله أن حظينا بعظماء معلمينا من نعومة أظافرنا حتى استواء عودنا ولهم منا كل التبجيل والاحترام …كل عام نؤكد فيه تقديرنا لهم في ٥/أكتوبر

  2. سلم الفكر وحفظ الله البنان… في كل يوم من كل عام تؤكد ذواكرنا تقديرًا للمعلم ووفاء له وإن كنا لا نحتاج لتذكير فآثار علم من علمونا مصقولة بها شخصياتنا وسياج من ربونا وأدبونا محاطة بها قيمنا وأخلاقنا فارحم اللهم من علمنا حيا كان أو ميتًا وارفع شأنه وعل مقامه… شكرًا أستاذ أحمد لمقالك الأنيق النابض بالعرفان والتقدير لكل معلم ومربٍّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى