كتاب الرأي

السيرة الفكرية وأثرها في السيرة الذاتية

قد تُشكّل كتابة السيرة الذاتية عائقًا لدى كثير ممن يُطلب منهم إعدادها، فيلجؤون بعد الله إلى أصحاب الخبرة في كتابة السير الذاتية وصياغتها.

وكل ما سبق ذكره مدخل للحديث عن كلمتين لا تُدرك أبعادهما بالكتابة وحدها، بل بالمناقشة والمقابلة، وهما: السيرة الفكرية.

فالسيرة الفكرية هي مسيرة الفكر، وما يُكتسب ويُضاف إليه من خلال الحوار والنقاش، وكل ما من شأنه إثراء الفكر وتنميته.

ولهذه السيرة الفكرية تأثير مباشر وقوي في كتابة السيرة الذاتية وإبرازها، لتبدو كالدرر، وتُظهر صاحبها في أجمل صورة وأفضل تمكين.

فمن يحرص على سيرته الفكرية يجدها ممتعة ويسيرة، تنعكس آثارها على حياته، وتجعله أكثر سعادة ووعيًا.

وتبدأ العناية بالسيرة الفكرية بفلترة الأفكار أولًا بأول، وتنقيتها من الشوائب، وحمايتها من السُّمّية والتلوث الفكري. فالفكر النيّر تزداد إضاءته حين يُعرض بأسلوب منير، والأفكار المبنية على أسس متينة وقوية تجعل صاحبها من الأخيار، وتحميه بعد الله من الوقوع في الهاوية والانحدار.

والسيرة الفكرية بمثابة القلم الذي يكتب السيرة الذاتية بإبداع وإبهار، ويُطرّزها بأجمل تنسيق، أما شاحب الفكر فقد يعجز عن إبراز سيرته، مما يدفعه إلى اللجوء لمصادر أخرى لكتابتها وصياغتها.

وعلى الرغم من أهمية الإثراء الفكري، فإن على صاحب الفكر أن يحرص على التوازن فيما يكتسبه من معارف وأفكار، وألا ينشغل بالامتلاء الذي لا يضيف قيمة حقيقية؛ فليست كثرة الأفكار دليلًا على جودتها.

ومن المهم أيضًا الابتعاد عن المقارنات والمراهنات الفكرية، فبينهما تشابه كبير في آثارهما، وقد تدفعان صاحب الفكر إلى العيش في برج عاجي، أو السير في مرج لا يجد فيه سبيلًا للنجاة.

وامتلاؤك بالثقة بالله، ثم بنفسك، يمنحك القدرة على احتواء الأفكار واستيعابها، وإظهارها بصورة جميلة تعكس وعيك ونضجك الفكري.

ومما يزيد الإدراك بقيمة الفكر أن يعرف الإنسان متى يتحدث ومتى يستمع. فعند الرغبة في المشاركة في أي نقاش، ينبغي التريث وتقدير حجم الرصيد المعرفي والفكري الذي يؤهله للدخول في الحوار والإدلاء برأيه والمشاركة بفاعلية، وإلا فقد يكون عُرضة للامتهان الفكري.

فهناك من يُحسن الاستماع دون المشاركة، لإدراكه أنه لم يبلغ بعد درجة الامتلاء المعرفي التي تمكّنه من خوض النقاش، فيخرج وقد استفاد دون أن يدخل في أطر الحوار.

ولأن الحديث عن الخروج، فهناك من يدخل النقاش متأنقًا في عباراته، متكلفًا في طرحه، لا بقصد إثراء الحوار، بل رغبة في الهيمنة الفكرية وفرض آرائه على الآخرين.

وهذا النوع قد حكم على نفسه بالخروج من دائرة الحوار المثمر، حتى وإن ظل حاضرًا فيه، وإن خرج بالتملق، كان تملقه مقيتًا.

فالسيرة الفكرية هي التي تمنح السيرة الذاتية قيمتها الحقيقية؛ لأن ما يحمله الإنسان من فكر ووعي أعمق أثرًا مما يكتبه عن نفسه من عناوين وإنجازات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى