كتبت مرارا تحت وسم #أبقوا_الوعي_حيا في منصة X، وهو وسم يستخدمه بعض المغردين الغيورين على العقل والمحذرين من عدم الانسياق وراء ما ينشر دون تمحيص ومواجهة التضليل بالوعي والتحقق والتثبت. وقد وجدت في هذا الوسم مدخلا مناسبا للحديث عن جانب من الحروب الذي لا يقل أهمية عن المواجهة الميدانية، فالمعارك لا تُخاض بالصواريخ والمسيرات فقط، بل تخاض بما قد يكون أشرس منها، وذلك عبر الشاشات والمواقع حيث تطلق الشائعات ويصبح وعي الناس وتضليل العقول و زعزعة الثقة هي المستهدفات الحقيقية التي يسعى وراءها العدو.
وفي الحقيقة أن ما تتعرض له بلادنا من هجمات بالصواريخ والمسيّرات مؤخرا لا يشكّل إلا جزءا يسيرا من الجبهة الأكثر أهمية والمتمثلة في محاولات التأثير على الرأي العام وبث الخوف والارتباك وتقديم الأحداث على غير حقيقتها. وفي هذه الجبهة، تضطرم معركة ذات أدوات إعلامية مضللة من خلال منصات التواصل الاجتماعي ويشارك فيها مبغضون آخرون يحملون ضغائن وأحقادا قديمة متخفين وراء أسماء مستعارة وحسابات وهمية ،،وكأنهم يدركون أن ما يبثونه يصعب الدفاع عنه حين تُعرف هوياتهم الحقيقية
وتأخذ هذه الحرب الإعلامية الشرسة أشكالا وألوانا متعددة، بعضها قديم وبعضها أتاحته التقنية الحديثة. فمن أساليبها إعادة نشر مقاطع قديمة لتفجيرات وقصف وقعت في أماكن وأزمنة مختلفة وتقديمها على أنها أحداث جارية داخل المملكة، فمثلا، يتم تغيير التعليق المصاحب لمقطع واحد ليتحول في نظر المتلقي إلى خبر جديد وبالتالي بالغ التأثير، وخصوصا إذا تم تداوله على نطاق واسع دون التحقق من مصدره. وهذه تعد من أخطر ما يمكن أن يؤثر على عقل المتلقي وخداعه.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج صور ومقاطع شديدة الإقناع أمرا يسيرا لا يكاد يصعب على طفل في عقده الأول، بما يتيح تصوير أحداث لم تقع أو تركيب مشاهد توهم بوقائع غير حقيقية أو تُعاد تصريحات قديمة لشخصيات كانت تتبوأ مناصب مهمة في البلد المعادي وكأنها تصريحات جديدة أو تُجتزأ أحاديث أخرى من سياقها لتُحمّل معانٍ لم يقصدها أصحابها.
وهناك أساليب أخرى لا تعتمد على اختلاق الحدث بقدر اعتمادها على تشويه صورته، كالمبالغة في تقدير الخسائر وتداول أرقام مجهولة المصدر وانتحال صفات الجهات الرسمية ونشر روايات متناقضة عن الواقعة نفسها. كما قد تتفق حسابات متعددة على تكرار خبر واحد فيظن المتلقي أن تعدد الناشرين لذلك الخبر تساوي دقة وتعدد المصادر، بينما لا يعدو الأمر عن أن يكون ترديدا مقصودا لرواية واحدة أصلها مزيف.
وبلا شك أن أخطر ما في هذه الممارسات هو استغلال مشاعر الناس تجاه وطنهم وزعزة ثقتهم بقدرات وطنهم وإحداث القلق في نفوسهم . ومما يسعى له الإعلام المعادي، أن يحول هذا القلق إلى وسيلة لنشر أخبار غير موثوقة وتداولها بين أبناء الوطن الواحد، فقد يعيد شخص نشر مقطع بدافع الحرص والتحذير ثم يكتشف لاحقا أن المقطع قديم أو مفبرك وأنه أسهم من حيث لا يقصد في نشر الخوف الذي أراد الآخرون صناعته.وهنا تتضح أهمية إبقاء الوعي حيا ،،
إن حماية وطننا وحماية عقول أبنائنا من التضليل والتكشيك والتزييف مسؤوليتنا جميعا،، فكما أن التصدي للهجمات يحتاج إلى جاهزية ويقظة، فإن مواجهة التضليل تحتاج إلى وعي حي يتصدى للعناوين المثيرة وللشائعات ولا تجعله العاطفة يتخلى عن التحقق.
حفظ الله وطننا وقيادته وشعبه ومقدساته ومقدراته من كل سوء ومكروه.

