كتاب الرأي

تائهون في الفضاء الرقمي وحماية شبابنا من فوضى الرويبضة

سبحان الله، وأنت تنتقل بين وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة تجد العجب العجاب؛ حسابات وهمية ومواقع مضللة وروابط خطيرة وتوجهات مخزية وأخبار كاذبة. لقد أتاح الفضاء الافتراضي لكل الناس التحدث والتخبط، ونشر الفوضى، والتجني على الآخرين. تحدث العاقل والمجنون، والمتعلم والجاهل، بل وتصدّر (الرويبضة) المشهد، وكثر الأطباء والمعالجون والممثلون والفنانون والتافهون والمهمشون، وأصبح الحليم حيراناً. وهنا لابد من وقفة جادة، وتوعية مستمرة، وتثقيف متواصل لأفراد المجتمع، وخصوصاً الشباب، وتنمية قدرتهم على التفكير الناقد والعميق والتحليلي، من أجل أن يصبحوا قادرين على التمييز بين الغث والسمين، والصحيح والخطأ، والمقبول من غير المقبول، والخبر الحقيقي والإشاعة.
وما نعيشه اليوم ليس مجرد فوضى معلوماتية هامشية عابرة بل هو أزمة إنسانية واجتماعية عميقة تمس كرامة الإنسان وطمأنينته. فخلف كل شاشة ستجد نبضاً إنسانياً، فربما يكون هناك شاب يبحث عن علاج لقلقه فيجد وصفاً خاطئاً يدمر صحته، وفتاة تبحث عن دعم نفسي فتسقط في شباك دجالين يستغلون هشاشتها، ومجتمع بأكمله يستدرج إلى كراهية الآخر بناءً على مقاطع مفبركة. ومن أجل فهم حجم هذه الكارثة تشير بعض الدراسات العلمية إلى بعض الحقائق المربكة فقد كشفت دراسة شهيرة أجرتها جامعة (MIT) الأمريكية ونُشرت في مجلة (Science) أن الأخبار الكاذبة قد تنتشر على المنصات بشكل أسرع بـستة أضعاف من الأخبار الصحيحة، فالأمور الزائفة صممت من أجل إثارة مشاعر الخوف والغضب بينما الأمور الحقيقية تعتمد على المنطق الذي يتطلب جهداً معرفياً. كما تحذر دراسات علم النفس الاجتماعي بأن تعرض المرء المستمر للمعلومات المتضاربة قد يولد حالة من (التبلد المعرفي) مستغلةً الأدوات التي لا تبحث عن الحقيقة بل تبحث عن إبقائه متصلاً عبر ما يعرف (بغرف الصدى) التي تحول المجتمع إلى جزر معزولة.
ولا يقتصر هذا الخطر على الأفراد وتآكل الثقة فيما بينهم فحسب، بل يمتد ليستهدف الأوطان والمجتمعات في صميمها. وما نشاهده في وقتنا الحاضر، وفي ظل الظروف الإقليمية المحيطة، من اعتداءات على وطننا المعطاء صاحب الأيادي البيضاء، والحريص دائماً على جمع كلمة البلدان الخليجية والعربية والإسلامية، وما يقدمه من جهود جبارة للمحافظة على جيرانه وإخوته، لهو شاهد على ذلك. ففي المقابل نرى هجمات شرسة وحسابات خادعة ومضللة تدار بأيدٍ خفية، تهدف إلى إحداث الفرقة، ونشر الفوضى، وزرع سوء الظن بالآخرين، محاولين العبث بثوابت الأمة وهويتها. ولكن وفي خضم هذا الحديث عن مساوئ الفضاء الرقمي، لا ينبغي أن نغفل أن لهذه الوسيلة لمسات إيجابية وفوائد جمة، إذا أحسن المرء استخدامها، وانتفع بها في غير ما يُضر. فالفضاء الرقمي نفسه ليس شراً محضاً، بل هو أداة محايدة، كالماء الذي يُحيي الأرض وقد يغرقها إن لم يحسَن توجيهه. فهو الذي أتاح لنا الوصول إلى كنوز العلم والمعرفة في ثوانٍ، وقرب المسافات بين الأحبة والأقارب، وفتح آفاقاً للتواصل الإنساني والتعاطف مع المظلومين في أصقاع الأرض، ووفر منصات للإبداع والمواهب الشابة لتُطلق طاقاتها دون حواجز، وجعل من نشر الخير والدعوة إلى الحق والوقوف مع الوطن أسهل مما كان في أي زمن مضى. فالمشكلة ليست في الأداة بل في الأيدي التي تمسك بها والعقول التي توجهها، والقلوب التي تحملها.
إن هذه المحاولات اليائسة تحتم علينا، ونحن نحب وطننا حتى الثمالة، ونستميت في الفاع عنه بأرواحنا وأموالنا، أن نقف وقفة رجل واحد وأن نلتف حول قيادتنا الرشيدة وألا ننخرط فيما يبثه الفضاء الرقمي من سموم ومعلومات مضللة. فنحن أعرف الناس بوطننا وقيادتنا، ولحمتنا قوية والعلاقة بين القيادة والمواطنين علاقة تاريخية رائعة ومثالية مبنية على قوة الحب وعلى الإنجازات والتلاحم في السراء والضراء. ولن يجد الحاقدون والمضللون والمطبلون والأعداء في أرض هذا الوطن إلا رماداً يحثى في وجوههم، فبذور الفرقة لا تنبت في تربة خصبة بالولاء والانتماء. بل إن تنمية مهارات التفكير التحليلي لدى الشباب سيمنحهم الفرصة لتمحيص كل يتم عرضه وتفكيك محتواه ليتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في البيانات الرقمية المختلفة. إن المناعة المعرفية والتفكير الناقد والتحليلي هما درعنا الواقي، واللحمة الوطنية هي حصننا المنيع. فعدم انخراطنا في هذه الفوضى، ورفضنا لترديد أبواق المضللين، ليس سلبية، بل هو أرقى أشكال الوعي والدفاع عن الوطن. وستظل بلادنا بإذن الله رمز حب وعطاء، وأيديها بالخير ممدودة، وستبقى الحصن الحصين للعروبة والإسلام، لا تهزها عواصف الزيف، ولا تزعزعها رياح الفتن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى