كتبتُ في مقال سابق بعنوان «ثقافة الجودة في الانتخابات»، نُشر في صحيفة مكة الغراء بتاريخ 8 سبتمبر 2026م، عن أن جودة التجربة الانتخابية لا تبدأ يوم التصويت، بل تبدأ من وعي الناخب، وجودة الاختيار، واحترام المنافسة، وتقديم مصلحة الكيان على العلاقات والمصالح الشخصية.
واليوم ومع تعدد الانتخابات التي تشهدها مجالس إدارات عدد من الشركات، ربما يكون من المهم استكمال الحديث عن جانب آخر لا يقل أهمية عن حسن الاختيار، وهو:
ثقافة ما بعد الانتخابات.
وفي ظل تعدد انتخابات مجالس الإدارات في الشركات، تبرز أهمية ترسيخ ثقافة الانتخابات وجودة الممارسة الانتخابية، ليس في مرحلة الترشح والتصويت فحسب، وإنما في كيفية التعامل مع النتائج وما بعدها.
فالانتخابات ليست تصويتًا وأصواتًا ونتائج فحسب، وإنما ثقافة متكاملة تبدأ قبل الترشح، وتستمر أثناء المنافسة، ولا تنتهي بإعلان أسماء الفائزين.
وفي كل تجربة انتخابية، يدخل المرشحون بطموحات مشروعة، ويحمل كل منهم رؤية يعتقد أنها قادرة على الإسهام في تطوير الشركات وخدمة مساهميها. وقد تتعدد الكفاءات والخبرات، لكن تبقى هناك حقيقة لا يمكن تجاوزها: عدد المرشحين أكبر في الغالب من عدد المقاعد المتاحة.
وبالتالي، ليس ممكنًا بل يكاد يكون مستحيلاً أن يفوز الجميع.
وهذا لا يعني أن من لم يحالفه التوفيق أقل كفاءة، كما أن الوصول إلى المجلس لا يعني بالضرورة أن الآخرين كانوا أقل قدرة أو خبرة.
إنها طبيعة الانتخابات في كل مكان وكل زمان … مقاعد محددة، ومرشحون كُثر، ونتيجة لا بد أن تنتهي باختيار عدد معين.
ومن هنا يظهر جانب مهم من ثقافة الانتخابات: القدرة على تقبل النتائج بروح مؤسسية واعية .
ومن سبق له خوض التجارب الانتخابية يدرك أكثر من غيره طبيعة هذه الممارسة؛ فالمواقع تتغير، والنتائج تتبدل، وقد يكون المرشح داخل أحد المجالس في دورة، وخارجه في دورة أخرى، بينما تظل الشركات ومصالح مساهميها أكبر من الأشخاص والمواقع.
ولعل النضج الحقيقي في أي تجربة انتخابية لا يظهر فقط في طريقة إدارة المنافسة، وإنما يظهر أيضًا في السلوك بعد انتهائها.
فليس من الإنصاف أن نرى المجلس جيدًا عندما نكون جزءًا منه، ثم يصبح محلًا للتشكيك عندما نكون خارجه؛ فالمعيار الحقيقي يجب أن يبقى واحدًا في الحالتين: الأداء، والنتائج، ومصلحة الكيان.
ومن الطبيعي أن يشعر من لم يحالفه التوفيق بشيء من خيبة الأمل، خصوصًا بعد جهد وطموح وانتظار، وهذا شعور إنساني مشروع وطبيعي جداً لكن الأهم ألا تتحول تلك المشاعر إلى موقف من المجالس الجديدة، أو إلى قراءة كل قرار من زاوية النتيجة الانتخابية السابقة.
وهنا ربما يظهر أحد أهم اختبارات ثقافة ما بعد الانتخابات: صدق الشعارات التي رُفعت قبلها. فمن جعل مصلحة الكيان هدفًا لترشحه، يفترض أن تظل هذه المصلحة هدفه حتى وإن لم يحالفه التوفيق في الوصول إلى المجلس؛ فخدمة الشركات لا تتوقف عند مقاعد مجالس الإدارات، والخبرة لا تفقد قيمتها بمجرد انتهاء الانتخابات.
وربما تكون إحدى علامات النضج المؤسسي أن يستطيع المرشح، بعد إعلان النتائج، أن ينتقل من منافس على المقعد إلى شريك في نجاح الكيان؛ لأن الهدف الذي ترشح من أجله يفترض أنه لم يتغير بتغير النتيجة.
فبعد إعلان النتائج، ينبغي أن تتغير اللغة من المنافسة على المقاعد إلى الشراكة في نجاح الكيانات.
وفي المقابل، فإن ثقافة ما بعد الانتخابات لا تخص من لم يحالفهم التوفيق وحدهم، بل تشمل الفائزين أيضًا؛ فالفوز يحمل مسؤولية احتواء الجميع، والاستفادة من الخبرات والكفاءات التي لم تصل إلى المقاعد، وعدم التعامل مع النتائج باعتبارها انتصار فريق على آخر.
فالمجلس بعد انتخابه لا يمثل من صوّت لأعضائه فقط، وإنما يتحمل مسؤولية العمل لمصلحة جميع المساهمين، والاستماع إلى مختلف الآراء، والاستفادة من الكفاءات أينما كانت.
ومن الإنصاف كذلك ألا نستعجل الحكم على المجالس الجديدة قبل أن تبدأ أعمالها، وألا نحملها مواقف أو خلافات انتخابية سابقة؛ فالتقييم المهني العادل يبدأ من الأداء، ويُقاس بالإنجاز والنتائج، لا بالتوقعات والانطباعات المسبقة.
وهذا لا يعني أن تتوقف الآراء أو يغيب النقد؛ فالمجالس المنتخبة تحتاج إلى النقد والمساءلة مثلما تحتاج إلى الدعم. ولكن الفارق كبير بين نقد موضوعي يقيس الأداء والنتائج، وبين موقف تحكمه رغبات شخصية أو آثار منافسة انتهت بانتهاء الانتخابات.
كما أن الأنظمة واللوائح تتيح قنوات رسمية يمكن من خلالها تقديم الاعتراضات أو التظلمات، وطرح المقترحات والدراسات التي تخدم الكيانات وتطور أعمالها. واللجوء إلى هذه القنوات هو السلوك المؤسسي الأمثل لحفظ الحقوق ومعالجة الملاحظات، بعيدًا عن التشكيك والقيل والقال أو إصدار الأحكام دون سند موضوعي.
والدعم الحقيقي للمجالس لا يعني الموافقة على كل قرار، كما أن الاختلاف معها لا يعني الوقوف ضدها.
بل إن الثقافة المؤسسية الناضجة تقوم على معادلة واضحة: ندعم القرار الصحيح، ونناقش القرار المختلف عليه بموضوعية، وننتقد التقصير بمهنية، ونضع مصلحة الشركات ومساهميها فوق أي اعتبار آخر.
كما أن عدم الوصول إلى عضوية مجلس إدارة ليس نهاية تجربة ولا حكمًا نهائيًا على صاحبها. فكثير من التجارب التي لا تحقق نتيجتها المباشرة تضيف لصاحبها معرفة وخبرة وعلاقات ووعيًا أكبر، وقد تفتح أمامه فرصًا أخرى في المستقبل.
ويبقى فوق ذلك كله إيمان الإنسان بأن عليه السعي والاجتهاد، ثم الرضا بما قسمه الله له؛ فليست كل أمنية تتحقق في توقيتها الذي نريده، وقد يحمل عدم التوفيق في أمرٍ ما خيرًا لا ندركه إلا لاحقًا.
ومع تعدد الانتخابات وتعاقب مجالس الإدارات، نحن بحاجة إلى ترسيخ هذه الثقافة أكثر من أي وقت مضى.
ثقافة تحترم حق الترشح، وتحترم المنافسة، وتحترم اختيار وإرادة المساهمين، وتحترم النتيجة بعد إعلانها.
فالانتخابات الناضجة لا تُقاس فقط بجودة من يصل إلى المجلس وإنما أيضًا بقدرتنا جميعًا على الانتقال من مرحلة التنافس إلى مرحلة العمل المشترك.
فالشركات لا تتقدم إذا بقيت أسيرة انتخابات انتهت ولا تستطيع مجالس الإدارات أن تحقق أهدافها إذا استمرت أجواء المنافسة بعد إعلان النتائج.
نختلف قبل الانتخابات، ونتنافس خلالها، وقد نختار أسماء مختلفة، وهذا كله أمر طبيعي وصحي.
لكن بعد ظهور النتائج تبدأ مسؤولية أخرى مشتركة … وهي أن نمنح المجالس الجديدة فرصة للعمل، وأن نساندها فيما يخدم المصلحة، ونراقب أداءها بموضوعية، ونحاسبها بالنتائج، لا بالمواقف المسبقة.
فالأسماء تتغير، والمقاعد تتبدل، والمجالس تتعاقب…
أما الشركات فتبقى، ومصلحتها هي التي يجب أن تجمع الجميع.
ولعل هذا هو الوجه الآخر لجودة الاختيار التي تحدثنا عنها سابقًا:
فثقافة الانتخابات ليست فقط أن نُحسن اختيار من يفوز … بل أن نُحسن أيضًا التعامل مع النتيجة بعد أن يفوز.
وفي الانتخابات قد تختلف مواقعنا، وقد تتغير مقاعدنا، لكن يفترض من الثقافة الواعية ألا تختلف بوصلتنا… ومصلحة الكيان هي البوصلة.
تركي سعيد حســنين

