نعيش بين الناس، ونختلف معهم، ونحب ونغضب، ونرضى ونخاصم، وقد نقول في لحظة انفعال كلمة تنتهي في ثوانٍ، لكنها تبقى في قلب إنسان سنوات.
وكثير من مشكلاتنا الاجتماعية لا تبدأ بأحداث كبيرة، بل بكلمة جارحة، أو سخرية، أو سوء ظن، أو غيبة، أو نميمة، أو تدخل في خصوصيات الآخرين، ثم تكبر المشكلة حتى تتحول إلى خصومة وقطيعة.
وفي المقال الخامس من سلسلة «مشكلاتنا في ضوء القرآن» نتوقف أمام أخلاق التعامل مع الناس، ونسأل: ماذا يحدث لعلاقاتنا لو انتقلت هذه الهدايات القرآنية من المصحف إلى سلوكنا اليومي؟
العدل حتى مع من نختلف معه
قال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
ومن أصعب صور العدل أن تعدل مع شخص لا تحبه.
فقد يختلف الإنسان مع زميل أو قريب، ثم يصبح كل ما يفعله ذلك الشخص خطأ في نظره.
العدل الحقيقي أن تعطي الإنسان حقه حتى عندما تختلف معه.
السخرية ليست مزحة دائمًا
قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11].
وقد تكون السخرية من الشكل، أو الوزن، أو اللهجة، أو المهنة، أو المستوى الدراسي، أو الوضع المادي.
وقد يضحك الجميع، بينما الشخص الذي أصبح مادة للضحك يتألم بصمت.
وما نراه مزاحًا قد يراه الآخر إهانة.
لا تختصر إنسانًا في لقب
وفي الآية نفسها يقول تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.
كم من إنسان التصق به لقب لم يختره منذ المدرسة، وظل يسمعه سنوات!
قد ننسى نحن الكلمة، لكن صاحبها قد لا ينساها.
فالاحترام يبدأ من الطريقة التي ننادي بها الآخرين.
الغيبة.. عندما يغيب الشخص ويحضر كلامنا عنه
قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12].
وفي المجالس قد يبدأ الحديث بشخص، ثم تنتقل الجلسة كلها إلى حياته وعيوبه ومشكلاته.
ولو دخل ذلك الشخص المجلس فجأة لتغير الكلام!
وهنا يستطيع الإنسان أن يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا:
هل أستطيع قول هذا الكلام أمامه؟
النميمة قد تنقل كلمة وتهدم علاقة
قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 11].
يقول لك أحدهم:
«أنا لا أريد أن أسبب مشكلة، لكن فلانًا قال عنك…»
ثم تبدأ المشكلة.
ليس كل ما نسمعه يجب أن ننقله.
وقد يكون من أعظم ما تقدمه لعلاقة بين شخصين أن تمنع كلمة سيئة من الوصول بدل أن تكون أنت وسيلة انتقالها.
لا تجعل الظن حقيقة
قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].
لم يرد على رسالتي، إذًا هو يتجاهلني.
لم يدعني إلى المناسبة، إذًا لا يريدني.
نظر إلي بطريقة معينة، إذًا يقصد إهانتي.
كم من مشكلة بدأت بكلمة:
«أعتقد».
ثم تعاملنا مع الاعتقاد وكأنه حقيقة مؤكدة.
قبل أن تغضب، اسأل.
وقبل أن تحكم، تحقق.
لا تتجسس
ثم يأتي التوجيه مباشرة: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12].
ليس من حقنا أن نبحث في حياة الآخرين عن الأشياء التي لم يختاروا إظهارها لنا.
فالفضول لا يعطي الإنسان حق انتهاك الخصوصية.
الكذب قد ينقذك لحظة ويهدم ثقة سنوات
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70].
قد يظن الإنسان أن الكذبة الصغيرة ستخرجه من موقف محرج.
لكن المشكلة ليست فقط في الكذبة نفسها.
المشكلة أن الطرف الآخر إذا اكتشفها قد يبدأ في مراجعة كل ما قيل له سابقًا.
فالثقة تُبنى ببطء، وقد تهتز بسرعة.
الاعتذار لا ينقص من الإنسان
من أجمل نماذج الاعتراف بالخطأ في القرآن قول آدم وحواء عليهما السلام: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23].
لم يبحثا عن مبررات.
وفي حياتنا اليومية قد يكون من أصعب الكلمات:
«أنا أخطأت».
«سامحني».
«كان ينبغي ألا أقول ذلك».
بعض الناس يعتقد أن الاعتذار يهز مكانته، بينما قد يكون الاعتذار هو الذي يعيد له مكانته في قلب الآخر.
والعفو لا يعني السماح بتكرار الأذى
قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40].
العفو قيمة عظيمة، لكن ينبغي ألا نفهمه بصورة تجعل الإنسان يقبل الظلم المستمر.
قد تعفو عن شخص ولا تعود علاقتك به كما كانت.
وقد تسامح وتضع حدودًا.
وقد تترك الانتقام مع احتفاظك بحقك بالطرق المشروعة.
فالعفو ليس إلغاءً للحكمة.
لا ترد كل إساءة بمثلها
قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34].
عندما يرفع شخص صوته، ليس مطلوبًا دائمًا أن نرفع أصواتنا أكثر.
وعندما يكتب أحدهم تعليقًا مسيئًا، ليس ضروريًا أن نثبت قوتنا بإساءة أشد.
أحيانًا يكون أقوى رد هو الرد الهادئ.
وأحيانًا يكون الأقوى ألا ترد أصلًا.
الكلمة الطيبة ليست أمرًا بسيطًا
قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53].
كلمة شكر لموظف.
دعاء لشخص ساعدك.
ثناء على ابن.
رسالة لصديق انقطع عنك.
اعتذار لقريب.
كلها كلمات صغيرة، لكنها قد تحدث أثرًا كبيرًا.
وكما أن كلمة واحدة قد تجرح، فكلمة واحدة قد تجبر خاطرًا.
لا تجعل ارتفاع صوتك دليل قوة
قال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: 19].
في بعض النقاشات يبدأ الطرفان بالكلام، ثم يتحول الهدف من الوصول إلى الحقيقة إلى إثبات من يستطيع أن يرفع صوته أكثر.
لكن الصوت المرتفع لا يجعل الرأي صحيحًا.
والهدوء لا يعني الضعف.
الجدل الذي لا يصل إلى شيء
قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
ليس كل نقاش يستحق الاستمرار.
إذا تحول الحوار إلى شتائم وتكرار وعناد، فقد يصبح الانسحاب منه أكثر حكمة من الاستمرار.
وخاصة في وسائل التواصل؛ فقد تضيع ساعة كاملة في نقاش مع شخص لا يريد أصلًا أن يسمعك.
لا تنس المعروف بسبب موقف واحد
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].
والآية في سياق أحكام الطلاق، لكن ما تحمله من تذكير بالفضل جدير بالتأمل في علاقاتنا.
قد يختلف الإنسان مع صديق خدمه عشر سنوات، فينسى السنوات كلها بسبب موقف واحد.
وقد يختلف مع قريب وقف معه في أزمات كثيرة، فيمحو كل ذلك من ذاكرته.
الاختلاف لا يلزم أن يتحول إلى جحود.
لا تُفسد مساعدتك بالمن والأذى
قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264].
قد تساعد إنسانًا ثم تذكره بالمساعدة كلما اختلفت معه.
«نسيت ماذا فعلت لك؟»
المساعدة التي تتحول إلى وسيلة إذلال تفقد كثيرًا من معناها الإنساني.
افعل الخير، ثم اتركه لله.
الجار ليس مجرد شخص يسكن بجوارك
قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36].
إزعاج الجار، ورفع الأصوات، وإغلاق المواقف، ورمي المخلفات، وعدم مراعاة المرضى وكبار السن، كلها مواقف يومية يظهر فيها معنى الأخلاق.
فالخلق لا يظهر فقط في الكلمات الكبيرة، بل في طريقة استخدامنا للموقف والمصعد والشارع والمرافق المشتركة.
أصلح ولا تكن جزءًا من المشكلة
قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114].
عندما يختلف شخصان، هناك من يحاول الإصلاح، وهناك من يستمتع بنقل الكلام بينهما.
وهنا يستطيع كل واحد منا أن يسأل نفسه:
عندما تحدث مشكلة حولي، هل أطفئ النار أم أحمل إليها مزيدًا من الحطب؟
قبل أن تتكلم
لو توقف الإنسان لحظات قبل بعض الكلمات، لانتهت مشكلات كثيرة قبل أن تبدأ.
اسأل نفسك:
هل ما سأقوله صحيح؟
هل يحتاج إلى أن يقال؟
هل هذه هي الطريقة المناسبة لقوله؟
هل أرضى أن يقال لي بالطريقة نفسها؟
وهل كلامي سيصلح أم سيزيد المشكلة؟
فالقرآن لم يجعل الأخلاق قضية جانبية في حياة الإنسان، بل جعلها حاضرة في الكلمة والظن والخلاف والمال والخصوصية والعفو والإصلاح.
وبيننا وبين كثير من العلاقات الجميلة أحيانًا كلمة لم نقلها، أو كلمة كان ينبغي ألا نقولها.
وفي المقال القادم من سلسلة «مشكلاتنا في ضوء القرآن» ننتقل إلى المال والعمل والمسؤولية: الإسراف، والديون، والغش، والأمانة، والظلم الوظيفي، وبخس جهود الآخرين، ونسأل: هل تظهر أخلاقنا في العمل والمال كما تظهر في عباداتنا؟

