كتاب الرأي

الخيانة… حين ينقلب المرء على وطنه

من المفارقات التي تكشف طبائع البشر أن الخطر المعلن قد يكون أهون من الخطر المتخفي؛ فالخصم الذي يقف أمامك تعرف وجهته، وتستعد لمواجهته، أما من يبتسم لك وهو يضمر الغدر، فقد يفتح للأذى أبوابًا لا يستطيع العدو الظاهر فتحها. ولعل هذا المعنى ما يلخّصه المثل الإيرلندي المتداول: «من الأفضل أن يكون أمامك أسد مفترس على أن يكون وراءك كلب خائن».

فخيانة الوطن ليست زلّة عابرة، ولا اختلافًا في الرأي أو موقفًا سياسيًّا؛ إنها نقضٌ لعهد الانتماء، وتنكرٌ للأرض التي احتضنت الإنسان، وللمجتمع الذي عاش بين أهله، وللحقوق والخيرات التي انتفع بها. وتزداد قسوة الخيانة حين تصدر ممن يعرف أسرار وطنه، ثم يضعها في يد من يسعى إلى الإضرار به. وقد دلّ التاريخ على أن من يستعين بالخصوم ضد بلاده قد ينتهي أداةً مستهلكة؛ إذ لا يمنح المستفيدون من العمالة ثقتهم الكاملة لمن باع ثقة أقرب الناس إليه.

وتضم الذاكرة التاريخية شخصيات ارتبطت أسماؤها بالخيانة أو بالتعاون مع الخصوم. ومن أشهر الأمثلة المتداولة أبو رِغال، الذي تذكر روايات عربية أنه دلّ أبرهة على الطريق إلى مكة؛ وقد بقي اسمه في الذاكرة الشعبية رمزًا للخيانة. ومن الأمثلة كذلك بندكت أرنولد (Benedict Arnold)، وهو ضابط شارك في حرب الاستقلال الأمريكية ثم انتقل إلى صف البريطانيين، وسعى إلى تسليم موقع ويست بوينت العسكري لهم. وقد أصبح اسمه في الثقافة الأمريكية مرادفًا للخيانة، بعد أن ارتبطت قصته بالتخلي عن القضية التي قاتل في صفوفها.

أما إفيالتيس، فتذكر الرواية اليونانية القديمة أنه كشف للفرس ممرًّا جبليًّا التفّوا عبره على المدافعين اليونانيين في معركة ترموبيل، وهو ما أسهم في تطويق قوات الملك ليونيداس. وتُستحضر قصته مثالًا على أن كشف الثغرات للعدو قد يغيّر مسار المعركة، حتى إن لم يكن الخائن هو من خاض القتال بنفسه. ويُذكر مؤيد الدين ابن العلقمي في بعض الروايات بوصفه شخصيةً ارتبطت بسقوط بغداد على يد المغول سنة 1258م.

تختلف الأزمنة والبلدان، لكن الخيانة تترك أثرًا يتجاوز خسارة موقع أو معركة؛ فهي تهز الثقة بين الناس، وتمنح الخصم معلومات أو فرصًا لم يكن ليحصل عليها بسهولة، وتجرح شعور الجماعة بالأمان والانتماء. كما أن من يظن أن الطرف الذي استعان به سيكافئه إلى الأبد قد يكتشف أن المصالح تتبدل، وأن من خان وطنه قد لا يجد عند مستغليه وفاءً ولا احترامًا.

يبقى الوطن أكثر من حدودٍ على خريطة؛ إنه ذاكرة الناس، وبيوتهم، وأمان أبنائهم، وتاريخ الأجيال التي بنت ودفعت الثمن. ومن حق الوطن على أبنائه أن يصونوا أمنه ومصالحه، وأن يختلفوا فيما بينهم بوعي ومسؤولية، دون أن يجعلوا خلافاتهم جسرًا يعبر عليه من يريد الإضرار به. إن العدو الظاهر قد يُواجَه بشجاعة، أما الخيانة فتستمد خطرها من الثقة التي تهدمها ومن الأبواب التي تفتحها خفيةً. لذلك لا تُقاس قيمة الإنسان بما يقوله عن الانتماء، بل بما يفعله حين تُختبر الأمانة؛ فالأوطان لا تطلب من أبنائها أن يتفقوا في كل شيء، لكنها تستحق ألا تُباع أسرارها، وألا يُستعان عليها، وألا تتحول خيراتها وثقة أهلها إلى ثمنٍ لمصلحة عابرة.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى