يشهد الشرق الأوسط تحولات استراتيجية عميقة أعادت تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية، وفرضت على الدول إعادة تعريف أولوياتها الدفاعية ومفاهيمها المرتبطة بالأمن القومي. وفي هذا السياق، برز البحر الأحمر ومضيق باب المندب بوصفهما من أهم الممرات البحرية الحيوية ليس فقط للدول المطلة عليهما، بل للاقتصاد العالمي بأسره. فهذه المنطقة لم تعد مجرد فضاء لعبور الطاقة والتجارة الدولية، بل تحولت إلى مجال استراتيجي تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية وتتداخل فيه التهديدات التقليدية وغير التقليدية، الأمر الذي جعل أمن البحر الأحمر مسألة ترتبط مباشرة بالاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة.
تنطلق المملكة العربية السعودية في مقاربتها لأمن البحر الأحمر من إدراك متزايد لطبيعة التهديدات المتغيرة التي باتت تتجاوز حدود الدولة الوطنية. فقد برزت خلال السنوات الأخيرة أنماط جديدة من التهديدات البحرية تمثلت في استخدام الطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة والصواريخ الموجهة ضد السفن والمنشآت الحيوية، بما أدى إلى تعقيد البيئة الأمنية ورفع مستوى المخاطر التي تواجه الملاحة الدولية. وتعكس هذه التحولات انتقال الصراع من صورته التقليدية إلى أشكال من الحرب غير المتماثلة التي تعتمدها جماعات مسلحة وفاعلون من غير الدول بهدف التأثير في حركة التجارة والطاقة وخلق حالة من عدم الاستقرار الإقليمي.
وفي ضوء هذه المتغيرات، تبنت المملكة مفهوما متقدما للردع يمكن وصفه بالردع العابر للحدود، وهو مفهوم لا يقتصر على حماية السواحل والمياه الإقليمية، بل يمتد إلى معالجة مصادر التهديد في بيئاتها الحاضنة ومنعها من اكتساب القدرة على تهديد الأمن البحري. ويستند هذا التوجه إلى تكامل الأدوات العسكرية والأمنية والدبلوماسية والاقتصادية ضمن رؤية شاملة تستهدف المحافظة على أمن الممرات المائية وضمان استقرارها. ومن ثم، لم يعد الردع مجرد استجابة دفاعية للأخطار بعد وقوعها، بل أصبح عملية استباقية تسعى إلى حرمان الخصوم من القدرة على التأثير في التوازنات البحرية أو تهديد المصالح الاستراتيجية للمملكة.
وتعكس السياسات السعودية في البحر الأحمر إدراكا بأن حماية الأمن البحري تتطلب بناء قدرات وطنية متطورة قادرة على الاستجابة السريعة للتهديدات المستجدة. ولذلك، أولت المملكة اهتماما كبيرا بتطوير قواتها البحرية وتعزيز منظومات الاستطلاع والمراقبة والإنذار المبكر، بما يضمن رفع مستوى الجاهزية العملياتية وتأمين الموانئ والمنشآت الساحلية وخطوط التجارة البحرية. كما تسعى إلى بناء قدرة ردع مستقلة تمكنها من حماية مصالحها الحيوية دون الاعتماد الكامل على الترتيبات الأمنية الخارجية التي قد تتأثر بحسابات القوى الدولية وتغير أولوياتها الاستراتيجية.
وفي الوقت ذاته، لا تنظر المملكة إلى أمن البحر الأحمر باعتباره مسؤولية وطنية فحسب، بل بوصفه قضية إقليمية تتطلب تعاونا جماعيا بين الدول المطلة عليه. وانطلاقا من هذا التصور، أسهمت في تعزيز الأطر المؤسسية للتنسيق الأمني والسياسي بين الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، بهدف بناء منظومة أمنية إقليمية قادرة على مواجهة التحديات المشتركة. ويعكس هذا التوجه قناعة استراتيجية بأن الأمن المستدام لا يتحقق عبر الإجراءات العسكرية فقط، وإنما من خلال بناء شراكات إقليمية فعالة وتطوير آليات لتبادل المعلومات والتنسيق الأمني ومكافحة التهديدات العابرة للحدود.
كما ترتبط المقاربة السعودية ارتباطا وثيقا بإدراك طبيعة العلاقة بين أمن البحر الأحمر واستقرار دول القرن الأفريقي. فالتحديات الأمنية التي تشهدها بعض دول هذه المنطقة، سواء كانت مرتبطة بالصراعات الداخلية أو ضعف مؤسسات الدولة أو انتشار شبكات التهريب والجريمة المنظمة، تترك انعكاسات مباشرة على أمن الملاحة البحرية. ومن هذا المنطلق، تتبنى المملكة سياسة تجمع بين الدعم التنموي والانخراط الدبلوماسي والمساعدة في تعزيز الاستقرار الإقليمي، انطلاقا من مبدأ مفاده أن استقرار الضفة الغربية للبحر الأحمر يمثل أحد المرتكزات الأساسية لأمن الضفة الشرقية.
ولا يمكن فهم الاستراتيجية السعودية في البحر الأحمر بمعزل عن الأبعاد الاقتصادية والتنموية التي تشكل جزءا محوريا من رؤية السعودية 2030. فالمملكة تنفذ مشروعات تنموية واستثمارية واسعة النطاق على امتداد ساحل البحر الأحمر، تشمل تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية والمدن الاقتصادية والمشروعات السياحية الكبرى. وتتطلب هذه المشروعات بيئة آمنة ومستقرة قادرة على استقطاب الاستثمارات وتعزيز الثقة في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ومن ثم، أصبح الأمن البحري عنصرا رئيسا في حماية المكتسبات التنموية وضمان استدامة النمو الاقتصادي، الأمر الذي يخلق ارتباطا مباشرا بين متطلبات الردع الاستراتيجي وأهداف التنمية الوطنية.
لقد أظهرت التطورات الإقليمية والدولية أن البحر الأحمر بات يمثل إحدى الساحات الرئيسية للتنافس الجيوسياسي، الأمر الذي يفرض على الدول المطلة عليه تطوير استجابات استراتيجية متوازنة تجمع بين القوة والمرونة. وفي هذا الإطار، تسعى المملكة العربية السعودية إلى ترسيخ نموذج للأمن البحري يقوم على الردع الفعال والشراكة الإقليمية والتنمية المستدامة، بما يضمن حماية المصالح الوطنية والإقليمية في آن واحد.
ختاماً..
تمثل المقاربة السعودية لأمن البحر الأحمر نموذجا متكاملا لإدارة التهديدات المعاصرة في بيئة إقليمية معقدة. فهي مقاربة تتجاوز المفهوم التقليدي للدفاع عن الحدود إلى بناء منظومة ردع عابرة للحدود ترتكز على تكامل القوة العسكرية والدبلوماسية والتنموية. ومن خلال هذا النهج، تسعى المملكة إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي وحماية الممرات البحرية الحيوية والحفاظ على مكانة البحر الأحمر كفضاء للتعاون والتنمية والازدهار، لا كساحة للصراع والتنافس المدمر.


