كتاب الرأي

ساعة الشدة

في الرخاء يتشابه الحلفاء، فإذا نزلت الشدائد تمايزت المواقف وبان معدن كل دولة، ومن يقرأ سيرة المملكة العربية السعودية يجد أنها لم تنتظر أن يُطرق بابها، بل كانت تسبق إلى نصرة أشقائها، وتبذل من أمنها ومالها ورجالها ما لا تبذله الدول إلا عن نفسها.
وأطول هذه المواقف عمراً موقفها من فلسطين، ففي فبراير 1945 جلس الملك عبدالعزيز إلى الرئيس روزفلت على ظهر طراد أمريكي في البحيرات المرة، فلم يطلب لبلاده شيئاً، حدّثه عن فلسطين وحق أهلها في أرضهم، حتى تعهد روزفلت ألا تتخذ بلاده فيها قراراً يعادي العرب دون مشاورتهم، ولما جاءت حرب 1948، بعث المؤسس بجنوده يقاتلون على أرضها.
وحمل الملك فيصل القضية في وجدانه، وكانت أمنيته أن يصلي في الأقصى قبل أن يلقى ربه، فلما امتدت النار إلى المسجد عام 1969، دعا إلى قمة الرباط التي وُلدت منها منظمة المؤتمر الإسلامي، وفي أكتوبر 1973 قاد قرار حظر النفط عن الدول الداعمة للعدوان، ورُوي عنه حين لوّح الغرب بالعواقب أن آباءه عاشوا على التمر واللبن، ولا يضير أبناءه أن يعودوا إليهما.
وتوارث الملوك الأمانة، فطرح الملك فهد مشروعه للسلام عام 1981 وتبنّته قمة فاس، وقدّم الملك عبدالله مبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002، وسمّى الملك سلمان قمة الظهران عام 2018 “قمة القدس”، ثم أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ألا علاقات مع إسرائيل قبل قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وترأست المملكة مع فرنسا عام 2025 مؤتمر نيويورك لحل الدولتين، فتتابعت بعده اعترافات دول كبرى بفلسطين، من بريطانيا وفرنسا إلى كندا وأستراليا.
وفي عام 1989 جمعت المملكة نواب لبنان في الطائف حتى خرجوا باتفاق أطفأ حرباً أهلية دامت خمس عشرة سنة، وبعد أشهر جاء فجر الثاني من أغسطس 1990، حين اجتاحت القوات العراقية الكويت. فقال الملك فهد لأخيه الشيخ جابر الأحمد كلمته التي حفظها الكويتيون: “نعيش سوا أو نموت سوا”. وكانت عهداً لا مجاملة. صارت الطائف عاصمة مؤقتة للحكومة الكويتية، وفُتحت البيوت لعشرات الآلاف من الأسر، فعاشوا بين إخوانهم لا لاجئين. واتخذ الملك قراره الصعب بالاستعانة بتحالف دولي، وسالت دماء الجنود السعوديين في الخفجي، حتى دخلت الجيوش الكويت محررة أواخر فبراير 1991.
ولم تقف النصرة عند حدود العروبة. ففي مطلع التسعينيات كان مسلمو البوسنة يُبادون في قلب أوروبا، وهم شعب بعيد لا نفط له ولا نفوذ. وقد شهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بأن الملك فهد كان القائد الوحيد الذي طالبه بالتدخل لحمايتهم، لأنهم إخوانه في الدين وكانوا يُظلمون.
وفي مارس 2011، حين حاولت الفوضى أن تشلّ مؤسسات البحرين، طلبت المنامة العون، فعبرت قوات درع الجزيرة وفي مقدمتها القوات السعودية لحماية منشآتها الحيوية. ولم يكن عابراً أن يحمل الجسر الذي عبرت عليه اسم الملك فهد، كأنه يذكّر بأن أمن الخليج كلٌّ لا يتجزأ.
وبعد عامين كانت مصر على حافة المجهول. فلما انحاز المصريون في الثلاثين من يونيو 2013 إلى دولتهم، كان الملك عبدالله أول من هنّأ الرئيس المؤقت عدلي منصور. ثم أعلن في كلمته الشهيرة وقوف المملكة مع مصر، وقدّم خمسة مليارات دولار، ودعا إلى مؤتمر دولي يعيد إليها عافيتها. يومها استحضر المصريون موقف الملك فيصل في أكتوبر، فرأوا الوفاء يتوارثه ملوك هذه البلاد.
أما اليمن فهو الامتحان الأطول. حين انقلبت جماعة الحوثي على الدولة، أطلقت المملكة عام 2015 عاصفة الحزم على رأس تحالف لدعم الشرعية، لا تطلب أرضاً ولا نفوذاً، بل دولة يمنية واحدة تُستعاد مؤسساتها. ورعت عام 2022 قيام مجلس القيادة الرئاسي. وحين حاولت قوى مسلحة أواخر 2025 فرض واقع جديد في حضرموت والمهرة، وقفت بحزم مع وحدة الدولة حتى عادت المعسكرات إلى سلطتها الشرعية، ثم فتحت الرياض أبوابها لأبناء الجنوب ليتحاوروا في قضيتهم. وفي كل ذلك لم يتوقف مركز الملك سلمان للإغاثة عن مدّ اليمنيين بالغذاء والدواء.
وعلى المنوال نفسه احتضنت جدة عام 2023 الأطراف السودانية بحثاً عن هدنة تحقن الدماء. وكانت المملكة عام 2025 في مقدمة من مدّ يده إلى سوريا الجديدة، فسعت لرفع العقوبات التي أثقلت شعبها.
من مجلس روزفلت عام 1945 إلى اليمن اليوم، يتصل خيط واحد: أن الدولة الوطنية هي الحصن الأخير للإنسان، وأن سقوطها في أي بلد عربي يفتح أبواب الفوضى على الجميع. لذلك لم تكن مواقف المملكة صدقات تُعطى ثم تُنسى، بل دفاعاً عن معنى الدولة نفسه. وكلمة الملك فهد لم تكن للكويت وحدها، بل عنواناً لسيرة كاملة: نعيش سوا أو نموت سوا.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى