في جدّة القديمة، لم تكن الرواشين نوافذَ من خشب فحسب، وإنما عيونًا للبيوت تطلُّ على الحارات، وتعبر منها نسائم البحر، ويتسلل عبر نقوشها الضوء، وتختبئ خلفها تفاصيل الحياة اليومية. مرّت الأعوام، وتغيّرت الوجوه، وبقيت تلك الرواشين شاهدةً على زمنٍ مضى، كأن الخشب احتفظ بما عجز الزمن عن الاحتفاظ به.
وثَمَّ أشياءٌ يصنعها الإنسان لتؤدي غرضًا، ثم يمضي بها الزمن إلى معنى أكبر مما أراد. هكذا كانت الرواشين، صُنِعت لتكون جزءًا من البيت، فإذا بها تصبح جزءًا من ذاكرة المدينة، تحفظ في خشبها ملامح المكان، وفي ظلالها شيئًا من حياة أهله، حتى غدا الروشان في جدّة أكثر من تفصيل معماري، صار علامةً إذا حضرت حضرت معها المدينة.
ولعل هذا ما منح الاسم دلالته حين أطلقت جمعية أدبي جدّة منتدى «رواشين»، فاختارت من ذاكرة المدينة مفردةً عريقة، ثم منحتها حياةً أخرى في فضاء الثقافة، فالروشان الذي كان يطلُّ منه أهل البيت على الحارة غدا إطلالةً على تاريخ جدّة وأدبها وفنونها وشخصياتها وحكايات أهلها، وكأن الاسم يعيد إلى المكان صوته، وإلى الذاكرة قدرتها على أن تُروى من جديد.
واستعادة المكان ثقافيًا لا تقف عند حجارته وخشبه ونقوشه، وإنما تمتد إلى ما جرى بين جنباته من حياة، إلى الوجوه التي عبرت، والحكايات التي وُلدت، والأصوات التي خفتت، والتفاصيل الصغيرة التي ربما لا تجد طريقها إلى كتب التاريخ، لكنها تجد في الأدب ذاكرةً أكثر دفئًا واتساعًا، ولهذا لم تبقَ الرواشين حبيسة واجهات البيوت، بل تسللت إلى القصيدة والرواية والسيرة، واستقرت في مخيلة الأدباء علامةً على المكان والحنين والذاكرة.
فالأديب لا يرى الروشان خشبًا منقوشًا فحسب، بل يرى خلفه بيتًا وساكنيه، وشارعًا وعابريه، وزمنًا ابتعد وظلت آثاره معلقةً في التفاصيل.
ولعل الشاعر علي الدميني يقدم شاهدًا جميلًا على ذلك؛ إذْ تحضر الرواشين في قصيدته «ما يشبه النسيان» بين اليمام والأغصان وسوق الندى وباب مكة، في مشهد تستعيد فيه الذاكرة جدّة القديمة وتفاصيل الصبا. وما إن يحضر الروشان في النص حتى تتداعى حوله الأمكنة والوجوه والأصوات، فيغدو ذلك التفصيل المعماري الصغير حاملًا لذاكرة مدينة بأكملها.
وهذه واحدة من هبّات الأدب للمكان، أن يمنحه عمرًا يتجاوز عمر الحجر، فقد تتغير الحارات، وتغيب الوجوه، وتتبدل الملامح، لكن القصيدة والرواية والسيرة تظل قادرةً على استحضار ما مضى، وحفظه حيًّا في الوجدان، فالمكان الذي يسكن الأدب لا يغيب تمامًا، وإن غيّر الزمن ملامحه.
والرواشين التي حفظت شيئًا من ملامح جدّة في عمارتها وجدت في الأدب حياةً أخرى، حتى أصبحت مفردةً تستدعي روح المدينة كلما مرّت في نص.
وحين حملت (جمعية أدبي جدّة) هذه المفردة إلى فضائها الثقافي، بدت التسمية امتدادًا طبيعيًا لتلك الرحلة، من روشنٍ يحتفظ بحكايات البيت إلى منتدًى يستعيد حكايات المدينة، ومن ذاكرة تسكن الخشب إلى ذاكرة تتجدد بالحوار والبحث والكتابة، وفي هذا الامتداد تتجلى قيمة «رواشين» في الحراك الأدبي، إذْ يضع تاريخ جدّة وذاكرتها وشخصياتها وفنونها أمام الأدباء والمثقفين بوصفها مادةً خصبة للتأمل والإبداع.
فكل شخصية تُستعاد سيرتها قد توقظ نصًا، وكل حارة تُروى حكايتها قد تفتح بابًا لرواية، وكل صورة قديمة قد تمنح شاعرًا معنى، وكل حديث عن زمن مضى قد يقود باحثًا إلى سؤال جديد. وحين يحدث ذلك تتجاوز الندوة زمن انعقادها؛ لأن قيمتها الحقيقية تبدأ بما تتركه بعد انفضاض المجلس، حين يغادر المثقف وفي ذهنه فكرة، ويعود الأديب وفي مخيلته نص، ويحمل الباحث معه خيطًا يقوده إلى حكاية لم تُروَ بعد.
تلك هي المساحة التي يستطيع «رواشين» أن يضيفها إلى المشهد الثقافي في جدّة، أن يجعل الذاكرة منتجةً للإبداع، وأن يصل الأجيال الجديدة بحكايات المكان دون أن يحبسها في الماضي، وأن يمنح الأدباء والمثقفين نافذةً أخرى لرؤية المدينة وقراءتها وكتابتها، فالمدينة التي تمتلك تاريخًا ثريًا لا ينقصها ما يُروى، وإنما تحتاج دائمًا إلى عين ترى، وأذن تصغي، وقلم يعرف كيف يمنح التفاصيل الصغيرة عمرًا أطول.
فالمدن لا تبقى بما يُحفظ من مبانيها وحدها، بل تبقى بما يسكن منها في ذاكرة أبنائها، وبما تتركه في القصائد والروايات والسير، وبالحكايات التي تنتقل من جيل إلى آخر، ولعل جدّة من تلك المدن التي كلما ظننا أننا فرغنا من حكايتها، أطلَّ من أحد رواشينها وجهٌ آخر للحكاية.
كان الروشان قديمًا يستقبل الضوء ويمنحه طريقًا إلى البيت، واليوم يفتح «رواشين» طريقًا آخر للضوء، طريقًا يصل إلى الذاكرة، ويكشف ما حجبه الزمن، ويعيد إلى الحكايات أصواتها.
وحين تُفتح رواشين جدّة، لا نطلُّ منها على المدينة وحدها، بل تُطلُّ جدّة منها علينا بأزقتها العتيقة، وبيوتها، ووجوه أهلها، وأصوات من عبروا طرقاتها، وحكايات بقي بعضها في الذاكرة وغاب بعضها في ثنايا الزمن، تنتظر أديبًا يصوغها لغةً، وشاعرًا يهبها قصيدةً، وروائيًا يعيد لشخصياتها الحياة، وباحثًا يزيح الغبار عن صفحاتها.
وهكذا يظل الروشان مفتوحًا، وإن أُغلقت نوافذ البيوت القديمة؛ لأن للأدب رواشينَه التي لا تُغلق، وكلما أطلَّ منها كاتب على ذاكرة جدّة، أطلَّتِ المدينة من الجهة الأخرى، واستعادت شيئًا من صوتها وملامحها وحكاياتها.
فبعض المدن يحفظها الحجر، وبعضها تحفظها الذاكرة، أما جدّة فقد كان لها من الرواشين ما يحفظ الضوء، ومن الأدب ما يحفظ الحكاية.


