المحلية

منصة “ملتقى الآثار” تنظم محاضرة بعنوان [ لمحات من تاريخ حلب القديم في ضوء الكتابات المسمارية].

تاريخ وآثار

تعد مدينة حلب السورية أقدم حاضرة مأهولة ومستمرة بالسكن في بلاد الشام، إلا أن بقاءها حية فوق طبقاتها التاريخية جعل التنقيب في قلبها من أصعب التحديات الأثرية؛ ما دفع الباحثين للاعتماد على ما سجله الجيران عنها في محفوظات إيبلا، وماري، وتل ليلان، وبوغازكوي، وألالاخ.

هذا ما جاء في سياق الندوة العلمية الثرية التي نظمتها منصة ملتقى الآثار ، مؤخرا ، واستعرض الأستاذ الدكتور فاروق إسماعيل، -المتخصص في اللغات والآثار القديمة-، ضمن محاضرة معمقة بعنوان [لمحات من تاريخ حلب القديم في ضوء الكتابات المسمارية |  والتي عقبها نقاش مفتوح مع نخبة من علماء الآثار والمؤرخين العرب، مسلطاً الضوء على المحطات المفصلية للمدينة وإشكاليات فقه اللغة والتاريخ القديم.

أولاً: الجذور والسياسة.. من إيبلا إلى مملكة يمخد

استهل د. فاروق إسماعيل حديثه بالتأكيد على أن أول ظهور مدوّن لحلب يعود لنصوص إيبلا (القرن 24 ق.م) باسم «خلب»، حيث برزت كمركز روحي مهيب لعبادة إله الطقس والعواصف «أدو/هدد». وحول أصل التسمية، رجّح د. إسماعيل دلالتها الجغرافية على “المرتفع أو الجبل”، مستبعداً المرويات الشعبية التي تربط الاسم بمخض اللبن أو الماشية.

وعلى الصعيد السياسي، شكّل العصر البابلي القديم (القرنان 19–18 ق.م) الذروة التاريخية لحلب؛ إذ أسس الأموريون «مملكة يمخد»، وبلغت أوج قوتها في عهد «يريم-ليم». وتكشف نصوص قصر ماري عن تفوق حلب الجيوسياسي، حيث كان يسير خلف ملكها عشرون ملكاً (متفوقة على حمورابي في بابل وشمشي-أدد في آشور). كما وثقت الرسائل لجوء «زمري-ليم» ملك ماري إلى حلب ومصاهرته لمليكها بزواجه من الأميرة الحلبية النافذة «شيبتو».

ثانياً: الصراع الإقليمي ولغز «ملك بالستين».

أوضح المحاضر كيف دخلت حلب بعد انقسام يمحَد في أتون الصراع بين الحثيين والميتانيين، وصولاً إلى خضوعها للنفوذ الحثي كمركز ديني وقفي تحت إدارة أبناء الملوك الحثيين.

ومع مطلع العصر الحديدي (القرن 11 ق.م)، توقف د. إسماعيل عند مفاجأة معبد قلعة حلب: نقوش هيروغليفية لوفية للملك «تايتا» لُقب فيها بـ «ملك بالستين/فلسطين»، مرجحاً ارتباطه بجماعات من “شعوب البحر” (الفلست) التي استقرت في سهل العمق وشمال غرب سوريا وأسست كياناً سياسياً امتد لنواحي حلب، مؤكداً استقلاله الجغرافي عن جنوب بلاد الشام.

ثالثاً: حوار المداخلات.. إضاءات أثرية وسجالات فكرية.

شهد النصف الثاني من اللقاء حواراً أكاديمياً تفاعلياً شارك فيه أساتذة وباحثون بارزون:

1. دور المرأة والصراع القبلي (مداخلة أثرية حول ماري)

أثارت مداخلة حول أسرار أرشيف ماري دور الأميرة الحلبية «شيبتو» كشخصية قيادية أدارت شؤون الدولة في غياب زوجها «زمري-ليم». وأوضح د. إسماعيل أن قوتها مستمدة من والدتها الملكة «قشيرو» صاحبة القرار في قصر حلب، بخلاف أخيها حمورابي الذي وُصف بالتردد. كما بيّن أن الصراع بين «شمشي-أدد» وسلالة ماري كان في جوهره صراعاً قبلياً ثأرياً عابراً للأجيال بين قبائل الجزيرة الفراتية.

2. لغز تسميات المواضع وأكاديميات الآرامية (د. عامر الجميلي).

طرح الدكتور عامر الجميلي تساؤلات حول طبيعة موقع تل مسكنة (إيمار)، وما إذا كان مدرسة للكتبة الآراميين في العصر الآشوري، ونفى د. إسماعيل ذلك لكون طبقات إيمار تعود للقرن 13 ق.م وما قبله أي قبل بزوغ الممالك الآرامية. وتطرق النقاش إلى سر صياغة أسماء المواضع الأمورية بالفعل المضارع المبدوء بالياء (يمحد، يحضون-ليم، يبرود، يازور)، وأكد المحاضر أنها بصمة لغوية أمورية مميزة يُستدل بها على رقعة انتشارهم.

3. أين يختبئ أرشيف حلب؟ (د. يوسف كانجو).

استعرض د. يوسف كانجو المكتشفات الميدانية في معبد إله الطقس بقلعة حلب، مبيناً أنه أُعيد بناؤه 4 مرات على الأقل وتصل أقدم طبقاته للألف الثالث ق.م، متسائلاً عن موضع الأرشيف الملكي الضائع. ورجّح د. إسماعيل أن الأرشيف المسماري لحلب موجود حتماً بالقرب من القلعة وفي محيطها، وربما أسفل المعالم القديمة كالمسجد الأموي، لكن الامتداد العمراني الحديث يحول دون التنقيب الموسع.

4. نشأة اللغة ونقوش إيبلا (أ. محمد النجم).

ردّاً على سؤال حول حجم نصوص إيبلا وعلاقتها بجذور العربية، أوضح د. إسماعيل أن عدد ألواح إيبلا يبلغ نحو 3200 لوح بعد تجميع الكسر، نافياً الأرقام المبالغ فيها. وشدد على أن تاريخ اللغات علمياً يرتبط بظهور شواهدها المدونة؛ فالأدلة المكتوبة باللغة العربية تعود نصوصها المتكاملة للقرن الرابع الميلادي، بينما ترجع أسماؤها ومفرداتها للقرن السادس قبل الميلاد على الأقل.

5. إشكالية «شعوب البحر» والفلست (د. فيصل زكارنة وأ. ماهر حميد).

ناقش الباحثون مسألة التمييز بين المصطلحات في النصوص المصرية القديمة (مدينة هابو ومرنبتاح) ونقوش حلب. وأكد د. إسماعيل أن بلاد كنعان جغرافياً وتاريخياً كانت تمتد شمالاً حتى خليج إسكندرون (شمال أوغاريت وبلاد دانونا) كما تؤكد رسائل العمارنة، وأن الرأي الشائع يربط نصوص الملك تايتا بفلست الشمال دون حسم نهائي بانتظار تنقيبات تل طعينات (عاصمة بالستين القديمة).

6. منهجية القراءة الصوتية للنصوص (د. عماد فكري وأ. عدنان المحمد).

شهدت الجلسة نقاشاً لغوياً حول أصول كلمة حلب وقراءة الحروف السامية القديمة؛ ودعا المتداخلون إلى مراعاة التبدلات الصوتية في فقه اللغات السامية (كالخلط بين الدال والضاد أو الخاء والحاء). ورد د. إسماعيل بتأكيد ضرورة الالتزام الصارم بما دُوّن في النص المسماري دون تحميله قراءات استنتاجية، لافتاً إلى أن الأهم تاريخياً هو استيعاب الواقع الاجتماعي والاقتصادي والمعتقدي للإنسان القديم بدلاً من حصر البحث في افتراضات الأسماء غير المحسومة.

خاتمة: علم قلق ومدينة خالدة.

اختتم الأستاذ الدكتور فاروق إسماعيل الندوة بالتأكيد على أن دراسة آثار الشرق القديم «علم قلق ودائم التغير مع كل ضربة فأس بحثية جديدة». وتظل حلب نموذجاً استثنائياً؛ فإذا كانت إمبراطورياتها العسكرية قد تراجعت عبر العصور، فإن قدسيتها كحاضرة لـ«إله العواصف» حفظت لها الاستمرارية والخلود عبر آلاف السنين.

هاني قفاص

تربوي - اعلامي مكة المكرمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى