لم يكن إعلان فوز وزارة الحج والعمرة في 29 أكتوبر 2026 بجائزة «أفضل مؤسسة حكومية متميزة رقميًا» على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، مجرد خبر عن إنجاز تقني بل تتويجًا لجهود وطنية متواصلة في تطوير منظومة خدمات ضيوف الرحمن وتوظيف التقنيات الحديثة للارتقاء بجودة الخدمات وكفاءة الأداء بما يجسد اهتمام قيادتنا الرشيدة بخدمة الحجاج والمعتمرين ويواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وإذا كان هذا الإنجاز مصدر فخر واعتزاز لنا جميعًا مواطنين وعاملينح في منظومة خدمة ضيوف الرحمن فإنه يحمل رسالة تتجاوز حدود الوزارة إلى جميع الشركات والمؤسسات والجهات ذات العلاقة فتميز الجهة المشرفة ينبغي أن يكون حافزًا لشركائها وأن ينعكس على مستوى الخدمات المقدمة للحاج منذ وصوله وحتى مغادرته.
وهنا يبرز تساؤل يستحق الطرح بكل وضوح: هل تواكب شركات تقديم خدمات الحجاج هذا التطور الرقمي بالطموح والسرعة نفسيهما
أم أن بعض الشركات ما زالت تتعامل مع التقنية باعتبارها تطبيقات وأنظمة إلكترونية وتقارير تشغيلية دون الاستفادة الكاملة من إمكاناتها في تطوير الأداء؟
إن التحول الرقمي لا يعني مجرد الانتقال من المعاملات الورقية إلى الإلكترونية ولا يُقاس بعدد المنصات والشاشات التي تمتلكها الشركة وإنما بقدرتها على إعادة هندسة إجراءاتها ورفع كفاءتها التشغيلية وتحسين جودة خدماتها وتحويل البيانات إلى قرارات تصنع فارقًا حقيقيًا في تجربة المستفيد.
فالحاج لا يعنيه عدد الأنظمة التي تدير بها الشركة أعمالها بقدر ما يعنيه أن يجد حافلته في موعدها ووجبات طعامه في موعدها وبجودة عالية وغرفته جاهزة عند وصوله وخدماته متوافقة مع ما تم الاتفاق عليه وما وُعد به وأن تُعالج ملاحظاته بسرعة وكفاءة …
بل إن الطموح الحقيقي ينبغي أن يتجاوز سرعة معالجة الشكاوى إلى استباق أسبابها والعمل على منع وقوعها من الأساس وحسب ما تنص عليه أبجديات الجودة الشاملة .
ولذلك … ليس المطلوب أن تتسابق شركات الحج في عدد التطبيقات التي تمتلكها بل في عدد المشكلات التي نجحت التقنية في منع وقوعها وفي مستوى الرضا الذي حققته لضيوف الرحمن.
ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي لم يعد الطموح مقتصرًا على رصد المشكلات التشغيلية بعد وقوعها بل أصبح بالإمكان التنبؤ بها قبل حدوثها وتحليل أسبابها المحتملة واقتراح الحلول والبدائل المتاحة مع تقييم أثر كل بديل على الوقت والتكلفة وجودة الخدمة بما يساعد القيادات التشغيلية على اتخاذ قرارات استباقية أكثر كفاءة.
فعلى سبيل المثال إذا أشارت البيانات إلى احتمال تأخر حافلات نقل الحجاج فلا يكفي أن يصدر النظام تنبيهًا بالتأخير المتوقع بل ينبغي أن يساعد في اقتراح مسارات بديلة مثلاً أو إعادة توزيع الحافلات أو تعديل الجداول التشغيلية وفق الإمكانات والضوابط المعتمدة قبل أن تتحول المؤشرات إلى مشكلة ميدانية تؤثر على راحة الحجاج بدلا من أن تكون دليلاً استرشادي لحلول وخطط بديلة متعددة… ومن عمل في مواسم الحج يعرف اهمية انسيابية نقل الحجاج في جميع المراحل في إنجاح الأعمال والحصول على رضا الحجاج ..
فمن وجهة نظري ربط الجودة بالذكاء الحقيقي للتقنية لا يكمن في قدرتها على إخبارنا بما حدث بل في مساعدتنا على توقع ما قد يحدث واختيار ما ينبغي فعله قبل حدوثه.
وهنا يظهر الفرق بين شركة تستخدم التقنية لإدارة أعمالها وأخرى توظفها لتطوير أعمالها فالأولى قد تنجح في توثيق المشكلة بينما تسعى الثانية إلى منع وقوعها أو الحد من آثارها قبل وصولها إلى المستفيد.
غير أن التقنية مهما بلغت درجة تطورها لن تحقق أهدافها دون قيادات واعية وكوادر مؤهلة تتبنى ثقافة التغيير والتطوير وبيانات موثوقة وحوكمة واضحة، وثقافة مؤسسية تؤمن بأن الجودة ليست تقريرًا يُرفع بعد انتهاء الموسم بل ممارسة تبدأ قبل وصول أول حاج وتستمر حتى مغادرة آخر حاج ثم تتحول نتائجها إلى فرص للتحسين في المواسم المقبلة.
وليس في طرح هذه التساؤلات انتقاص من جهود شركات الحج فهناك تجارب ومبادرات تستحق الإشادة وإنما هي دعوة للانتقال من تفاوت المبادرات الفردية إلى ممارسات مؤسسية راسخة يكون معيار نجاحها جودة النتائج والأثر الفعلي على تجربة ضيوف الرحمن.
وإذا كانت وزارة الحج والعمرة مشكورة قد أرست منظومة من الجوائز والمبادرات ومؤشرات تقييم الأداء لتحفيز التميز والابتكار فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الشركات في تحويل هذه الممكنات إلى ممارسات تشغيلية متقدمة لا تنتظر وقوع المشكلة لمعالجتها … بل تستبقها بالتحليل والتخطيط وتعدد البدائل وتجعل رضا الحاج وجودة تجربته المقياس الحقيقي لنجاحها.
ولكي يتحقق ذلك لا يكفي شراء الأنظمة أو إطلاق التطبيقات بل ينبغي ربط البيانات بين فرق النقل والإسكان والإعاشة والخدمات الميدانية وتحديد مسؤوليات واضحة للتعامل مع التنبيهات وقياس زمن الاستجابة والمشكلات التي تم تفاديها وتوثيق الدروس المستفادة وتدريب العاملين على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب فالتقنية أداة تدعم الإنسان ولا تلغي مسؤوليته.
وختامًا…
نبارك لوزارة الحج والعمرة هذا الإنجاز الخليجي الرائع والمستحق ونتطلع إلى أن يمتد أثره إلى شركائها في خدمة ضيوف الرحمن وأن تصبح المبادرات الرقمية وسيلة لإتقان الخدمة لا غاية في ذاتها فالتفوق الذي يراه الحاج في انسيابية رحلته ودقة المواعيد وراحة الإقامة هو الامتداد الحقيقي لأي تميز رقمي.
فليس التحدي أن نمتلك تقنية أكثر ذكاءً بل أن نمتلك إدارة أكثر وعيًا في توظيفها وأن ننتقل من التنافس على تقديم الخدمة إلى التنافس على إتقانها وبجودة عالية تفوق التوقعات …
• ماجستير ادارة الجودة الشاملة
