في عام 480 قبل الميلاد، وبينما كانت الجيوش الفارسية واليونانية تستعد لمواجهة بحرية حاسمة، وصلت إلى القيادة الفارسية رسالة تفيد بأن اليونانيين مختلفون فيما بينهم ويستعدون للفرار. دفعت هذه المعلومات الفرس إلى اتخاذ ترتيبات عسكرية لمنع انسحاب خصومهم، لكن الرسالة، وفق رواية المؤرخ اليوناني هيرودوت، كانت خدعة دبّرها أحد القادة اليونانيين لاستدراج الأسطول الفارسي إلى موقع يلائم قواته. وهكذا أسهمت معلومة مضللة في توجيه قرار عسكري خلال معركة سلاميس الشهيرة.
ولم تكن تلك الواقعة استثناءً في تاريخ الحروب؛ فقد أدرك المتحاربون منذ القدم أن التأثير في عقول الخصوم ومعنوياتهم قد يكون أحيانًا أشد فاعلية من المواجهة المباشرة. فالحروب لا تُخاض بالأسلحة القتالية وحدها، بل بالأخبار أيضًا، سواء أكانت صحيحة أم مختلقة، وبما تثيره من خوف أو ارتباك أو شك.
وفي القرن الخامس قبل الميلاد، سجّل المؤرخ اليوناني ثوكيديدس ملاحظة لافتة أثناء حديثه عن الحرب بين أثينا وإسبرطة؛ فقد أشار إلى أن الأثينيين لم يصدقوا في البداية أخبار الهزيمة الكارثية التي لحقت بقواتهم في صقلية سنة 413 قبل الميلاد، رغم أن من نقلها كانوا من الناجين منها. لقد كان وقع الهزيمة أشد من قدرتهم على تصديقها. وهنا نلمس وجهًا آخر للعلاقة بين الإنسان والخبر؛ فقد يصدق ما يوافق مخاوفه، ويرفض ما يصطدم بتوقعاته، ولو كان حقيقة.
وفي تاريخنا الإسلامي، تذكر روايات السيرة النبوية أنه خلال غزوة أُحد في السنة الثالثة للهجرة (625م)، شاع خبر مقتل الرسول ﷺ، فأحدث اضطرابًا في صفوف المسلمين، قبل أن يتبين عدم صحته. وتكشف هذه الواقعة كيف يمكن لخبر واحد، حين يتعلق بمصير القائد، أن يؤثر في معنويات المقاتلين وسلوكهم، حتى وإن لم يكن صحيحًا.
وبعد قرون طويلة، تناول عالما النفس الأمريكيان غوردون ألبورت وليو بوستمان ظاهرة الشائعات في دراسة نُشرت عام 1945م، وطرحا تصورًا يربط انتشارها بعاملين رئيسيين: أهمية الحدث والغموض المحيط به. فحين تتعلق الأخبار بمصير الناس وأمنهم، وتغيب المعلومات الواضحة، تصبح البيئة مهيأة لتداول الروايات غير المؤكدة، وتزداد قابلية الناس لتصديقها وإعادة نشرها.
ولعل ما يلفت النظر في هذه الشواهد التاريخية أن الإنسان، على اختلاف العصور، ظل يتأثر بالخوف والقلق والرغبة في معرفة المجهول. أما الذي تغير فهو وسائل نقل الأخبار وسرعة انتشارها. فما كان يحتاج إلى رسول يقطع المسافات بين الجيوش، أو رواة يتناقلون الأخبار في الأسواق والمجالس، أصبح اليوم ينتشر خلال ثوانٍ، ويصل إلى ملايين الناس عبر شاشة صغيرة يحملها كل فرد في يده.
بل إن الشائعة في عصرنا لم تعد تقتصر على خبر مكتوب أو رواية شفوية، وإنما أصبحت تتسلح بالصورة والصوت والمشهد المرئي. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، بات بالإمكان إنتاج تسجيلات تحاكي أصوات شخصيات معروفة، أو مقاطع مصورة توهم المتلقي بوقائع لم تحدث أصلًا. والأخطر أن التضليل لا يحتاج دائمًا إلى اختلاق حدث كامل؛ فقد تكفي صورة حقيقية انتُزعت من سياقها، أو مقطع قديم أُعيد نشره على أنه حدث جديد.
وفي أوقات الحروب والأزمات، تتضاعف خطورة هذه الممارسات؛ لأن المجتمعات تكون أكثر حساسية للأخبار المتعلقة بأمنها ومستقبلها، وتصبح الشائعة وسيلة محتملة لإثارة الخوف، أو إضعاف المعنويات، أو زعزعة الثقة بين أفراد المجتمع ومؤسساته. وقد تسعى جهات متحاربة إلى توظيفها بصورة منظمة، بينما يسهم آخرون في انتشارها دون قصد، بدافع الفضول أو القلق أو الرغبة في نقل ما يعتقدون أنه سبق إخباري.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل؛ فصانع الشائعة قد يكون فردًا أو جهة محددة، لكن انتشارها يعتمد على أعداد كبيرة من المتلقين الذين يتحولون، دون أن يشعروا، إلى وسائل لنقلها. ومع كل إعادة نشر، تكتسب المعلومة حضورًا أوسع، وقد يظن البعض أن كثرة تداولها دليل على صحتها، مع أن انتشار الخبر لا يمنحه المصداقية.
ولا يعني الحذر من الشائعات التشكيك في كل خبر، أو اعتبار اختلاف الآراء شكلًا من أشكال التضليل؛ فثمة فرق بين الخبر الكاذب، والرأي المخالف، والمعلومة التي لم تكتمل بعد. كما أن مواجهة الشائعات لا تقع على عاتق الأفراد وحدهم، بل تتطلب إعلامًا مهنيًا ومؤسسات تقدم المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، حتى لا يتحول غياب المعلومة إلى مساحة خصبة للتخمين والتضليل.
إن قراءة التاريخ تكشف لنا أن الأخبار كانت دائمًا جزءًا من الصراع، وأن تأثيرها لم يكن مرهونًا بصدقها بقدر ما كان مرتبطًا أحيانًا بقدرة الناس على تصديقها. وإذا كانت الشائعة قديمًا تحتاج إلى من يحملها وينقلها، فإنها اليوم تجد طريقها إلى العالم بضغطة زر.
وهكذا، فإن ما تغير عبر القرون ليس خطورة الشائعة، بل قدرتها على الانتشار؛ أما معركتها الحقيقية فظلت، قديمًا وحديثًا، مع وعي الإنسان وقدرته على التمييز بين الحقيقة والتضليل.

